مساحة إعلانية
في المجتمعات التي تحترم تاريخها وتقدر أبناءها، لا يُنظر إلى أصحاب المعاشات باعتبارهم عبئًا اقتصاديًا، بل بوصفهم ذاكرة الوطن الحية، والجيل الذي حمل أعباء البناء والعمل والتعليم والإنتاج لعقود طويلة.
غير أن الواقع الذي يعيشه كثير من أصحاب المعاشات اليوم يفرض سؤالًا مؤلمًا: هل يحصل من أفنوا أعمارهم في خدمة الوطن على ما يليق بكرامتهم الإنسانية؟
لقد أصبحت قضية المعاشات واحدة من أكثر القضايا الاجتماعية إلحاحًا، في ظل الارتفاع المستمر في تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية للمعاشات أمام موجات الغلاء المتلاحقة. فهناك آلاف الأسر التي تعتمد بشكل كامل على معاشات بالكاد تكفي أيامًا معدودة من الشهر، بينما تتزايد أسعار الغذاء والدواء والكهرباء والمياه والغاز والمواصلات بصورة ترهق أصحاب الدخول الثابتة.
إن المشكلة لا تكمن في قيمة الزيادة السنوية وحدها، وإنما في اتساع الفجوة بين المعاش ومتطلبات الحياة الفعلية. فكل زيادة محدودة سرعان ما تبتلعها الأسعار، ليبقى صاحب المعاش أسير المعاناة نفسها، ينتظر حلولًا لا تأتي، أو وعودًا تتجدد دون أن تغير من واقعه شيئًا.
ولا تقتصر المعاناة على ضعف المعاشات فحسب، بل تمتد إلى ملفات أخرى تتعلق بالحقوق المالية المستحقة لأصحاب المعاشات.
ومن بين هذه الملفات ما يثار بشأن صرف مستحقات تعديل الأجر الأساسي لعام 2016 لبعض العاملين بالتربية والتعليم في شمال سيناء، حيث يتساءل عدد من أصحاب الأحكام القضائية والقرارات النهائية الصادرة منذ سنوات عن أسباب تأخر صرف مستحقاتهم، رغم أسبقيتهم القانونية والزمنية.
وتزداد مرارة المشهد عندما يكون أصحاب هذه الحقوق قد أحيلوا إلى المعاش، وأصبحوا في أمس الحاجة إلى مستحقاتهم لمواجهة تكاليف العلاج والدواء ومتطلبات الحياة الأساسية. فالأولوية الأخلاقية والاجتماعية تقتضي إنصاف كبار السن وأصحاب المعاشات، لا سيما من صدرت لهم أحكام أو قرارات واجبة التنفيذ، وأمضوا سنوات طويلة في انتظار حقوقهم المشروعة.
إن العدالة لا تتحقق فقط بصرف المستحقات، بل تتحقق أيضًا بالشفافية والوضوح في ترتيب الأولويات، وإعلان المعايير التي يتم على أساسها الصرف، بما يضمن المساواة بين أصحاب الحقوق ويغلق أبواب الشكوك والتساؤلات. فالمواطن لا يطلب أكثر من أن يرى القانون مطبقًا على الجميع دون تمييز، وأن تصل الحقوق إلى أصحابها وفقًا للأقدمية والاستحقاق.
ومن المؤسف أن كثيرًا من أصحاب المعاشات يعيشون اليوم بين ألم المرض وضيق الحال وانتظار الحقوق المؤجلة.
فالمعاش لا يكفي، والأسعار لا ترحم، والسنوات تمضي، بينما تبقى احتياجات الحياة الأساسية من غذاء ودواء وسكن وخدمات عبئًا يثقل كاهل من كانوا يومًا عماد المؤسسات وأساس التنمية.
إن أصحاب المعاشات ليسوا أرقامًا في سجلات التأمينات، بل بشر لهم أسر وأبناء والتزامات وأحلام بسيطة في حياة كريمة وآمنة. وهم لا يطلبون امتيازات استثنائية، وإنما يطالبون بحقوق كفلها القانون، وبمستوى معيشة يحفظ لهم ما تبقى من أعمارهم بعيدًا عن الحاجة والعوز.
إن الأوطان العظيمة تُقاس بمدى وفائها لمن خدموها، وبقدرتها على حماية كبار السن من الفقر والحرمان. لذلك فإن إعادة النظر في أوضاع أصحاب المعاشات، والإسراع في صرف الحقوق المالية المستحقة، وتحقيق العدالة بين أصحاب المطالبات القانونية، ليست مجرد إجراءات إدارية أو مالية، بل هي واجب وطني وإنساني يعكس احترام الدولة لتاريخ أبنائها وجهودهم.
فحين تتقاعد الأجساد، لا ينبغي أن تتقاعد الحقوق، وحين يضع الإنسان سنوات العمل خلفه، يجب أن يجد أمامه حياة كريمة تحفظ له مكانته، وتؤكد أن الوطن لا ينسى أبناءه الذين أعطوه العمر والجهد والإخلاص.
أصحاب المعاشات هم أولى الناس بالإنصاف، وأحق الفئات بالرعاية، لأنهم لم يبخلوا يومًا على وطنهم بالعطاء، فلا ينبغي أن يبخل عليهم الوطن اليوم بحقوقهم وكرامتهم.