مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

ياسر القاضي يكتب:"حاول تفهم"نحن لا نكذب... ولكننا نتحمّل

2026-07-15 02:11 PM  - 
ياسر القاضي يكتب:"حاول تفهم"نحن لا نكذب... ولكننا نتحمّل
ياسر القاضي

hyasser10@yahoo.com

حاول أن تفهم... فليس كل صامتٍ عاجزًا عن الكلام، وليس كل متحمّلٍ راضيًا بما يجري، ولكنها أقدارٌ تثقل الأرواح حتي يصبح الصمت أحيانًا أبلغ من الضجيج.
دقّت أجراس الخطر، وتهاوت الحواجز التي كانت توهم الناس بالأمان، واقتربت الساعة، واتسعت العيون دهشةً حتي خُيّل إلينا أنها تنشق كما انشق القمر. سقطت الأعراف، وتراجعت القوانين، واعتلي منطق القوة سدة المشهد، حتي غدا الحق غريبًا في موطنه، والعدل أسيرًا بين أيدي المتنطعين وأصحاب المصالح.
صرنا نعيش زمنًا تختلط فيه الموازين، فلا يُعرف فيه صاحب الحق من صاحب الصوت الأعلى، ولا يُقاس الإنسان بما يحمل من قيم، بل بما يملك من نفوذ. وكأن الفضيلة أصبحت تهمة، والاستقامة عبئًا، والصدق مغامرةً لا يقوي عليها إلا القليل.
كنا في الأمس نسبح لنصل إلي الشاطئ، أما اليوم فنسبح كي لا يبتلعنا الغرق. نمضي في طرقٍ نعرف بداياتها، لكننا نجهل نهاياتها، ويأخذنا العمر من بين أيدينا دون أن يستأذن، حتي نستيقظ فجأةً أمام مفترق طرق، فنكتشف أن كثيرًا مما سعينا إليه لم يكن سوي سراب، وأن الواقع كان أقسي من كل الخيال.
وسقطت الأقنعة... أقنعة الدول التي تغنت طويلًا بالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، فإذا بالمصالح تسبق المبادئ، والقوة تعلو علي العدالة، والكيل بمكيالين يصبح سياسةً معلنة لا تستحي من نفسها. كما سقطت أقنعة الوجوه التي ادعت الإنصاف، فإذا بها أول من يخذل الحقيقة حين تمتحنها المواقف.
أصبحنا نردد عبارة “الحكم بعد المداولة”، بينما غابت المداولة الحقيقية، وغاب معها الضمير الذي يُنصف، حتي بدا وكأن الأحكام تُكتب قبل أن تُسمع الكلمات، وتُحسم قبل أن تُعرض الأدلة.
وتلتف أسطورة الواقع حول أعناقنا شيئًا فشيئًا، حتي تكاد تخنق كل قيمة جميلة، وكل حلم نبيل، وكل بصيص نور كان يمنحنا القدرة علي الاستمرار.
ويبقي السؤال الذي يؤرق الضمائر: إلي متي نظل نتحمل ما نعلم أنه باطل؟ ومتي ندرك أن أخطر أنواع الكذب ليس ما يُقال بالألسنة، بل ما يُفرض علي العقول حتي يعتاده الناس ويظنوه حقيقة؟

مساحة إعلانية