مساحة إعلانية
في كتابه (الطبيعة البشرية والسلوك الإنساني) استعمل الفيلسوف الأمريكي (جون ديوي) مصطلح "القديم المستمر" قاصدا العادات والتقاليد المتوارثة، كمصطلح بديل لمصطلح "التراث" موضحا مدى سيطرة عادات وتقاليد الأسلاف على معظم جوانب الحياة، لا سيما داخل المجتمعات المتأخرة.
وأضاف أن لتلك الهيمنة العديد من المظاهر، غير أنها تتجلى بصورة أكثر وضوحا في ثلاث قضايا: (الأولى السلطة: بداية من سلطة الأب، والأخ الأكبر، وكبير العائلة، وصولا لسطلة الحاكم، وغالبا ما تكون سلطة أسيرة ثقافة الأسلاف على مستوى التفكير والسلوك).. (الثانية الغيب: وهي أن كل الشعوب مهما اختلفت درجة ثقافتها لديها نفس الشغف بالغيب، وغالبا ما كانت تتملكها حيرة كبيرة، في أوقات مضت، حين يتعلق الأمر بالتفسير الطبيعي (الفيزيقي) والتفسير ما وراء الطبيعي (الميتافيزيقي) لمعظم الظواهر، والتغيرات الكونية حتى ارتقى عقل الإنسان دينيا وعلميا؛ فعرف الله، والعلم).. (الثالثة التغيير: وهي واحدة من علامات التخلف في المجتمعات المتأخرة التي يمنعها جمودها من تحقيق أي تغير حتى لو كان للأفضل!)..
وهي قضايا تدفعنا للتساؤل: هل استطاعت الأديان بصفتها المقوم الأمثل للحياة أن تغير العديد من العادات والتقاليد السلبية حتى بتلك المجتمعات المتدينة!؟..
في الحقيقة ما يحرك الناس حتى بتلك المجتمعات هو العادات والتقاليد، التي تعجز الأديان عن تصحيح أو تغيير الجانب الأكبر منها، وبالرجوع إلى (الآنسة إس) موضوع كلمتنا.. وهي الأنثى، والمرأة.. ستفاجأ بشيء من الملاحظة البسيطة وكأنها ليست مكلفة، أو مستهدفة بمعظم خطابتنا الاجتماعية التوعوية، فحتى الخطاب الديني بجانب بعض الخطابات الأخرى داخل المجتمعات المنغلقة ذات الثقافات الذكورية المتغلبة، تشعر وكأنه لا يمنحها شيئا من الاهتمام.. بينما ترى للذكر حضوره واحترامه وهيبته وسلطته الممنوحة له داخل الخطاب كما هي داخل البيت وخارجه، أبا، وزوجا، وابنا.
علما بأن التدين وعدم التدين ليس سببا في وجود الأخلاق أو انعدامها؛ فالأخلاق سابقة لكل الأديان، ولو ترك الأمر للأغلبية لما خطا أي مجتمع من المجتمعات خطوة تطورية واحدة إلى الأمام.. فالأكثرية ليست دوما على صواب بشهادة القرآن الكريم.
وقد عانت المرأة منذ بدء الخليقة كثيرا بسبب ضعف بنيتها الجسدية، وحاجتها لمن يحميها، وهو أمر أوقعها تحت سلطة الذكر.. الرجل ببنيته العضلية المتفوقة، بل حتى الآن هنالك بعض المعتقدات التي تسلب المرأة حريتها حتى بعد وفاة زوجها؛ فلا هي تستطيع الزواج من آخر، ولا التعبير عن مشاعرها وحاجاتها النفسية والجسدية، بل قد يصل الأمر أن تحرق نفسها هروبا من الإهانة والتجريح والتجاهل الذي يحرمها من عيش الحياة بالشكل الطبيعي!.
علما بأن الأمر تحسن كثيرا داخل المجتمعات المتدينة المتفتحة، وداخل المجتمعات المعتمدة على القوانين الوضعية التقدمية التي ترى أن المرأة كيان لا يقل أهمية عن كيان الرجل، غير معتمدة على الشعارات الجوفاء فقط!..
وأعظم معاناة عانتها الأنثى على مر التاريخ هي الوأد.. الدفن حية، وسواء كانت تلك العادات الجاهلية معتقدات فردية لا ترقى إلى التعميم إلا أنها قد وقعت فعليا بحق الأنثى: "وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَت (8) بأي ذَنبٍ قُتِلَتْ(9).. (التكوير).. وذلك لأسباب عديدة منها: الخوف من جلب العار، وتعرضها للإهانة بعد موت الأب، وطمع غير الكفء فيها، والخوف من السبي والاسترقاق، أو لكونها كائن مستهلك غير منتج داخل بيئة معدمة فقيرة، كذلك بسبب الاعتقاد بأن الملائكة بنات الله، ويتم ذبح البنات ليلحقن بالله: "وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ ۙ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ (57) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ" (النحل).. "وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَٰنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ" (الزخرف آية 17).. "وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا" (الإسراء 31)...
ومن الإنصاف أن نذكر أن الذكر قد وقع ضحية لتلك الثقافات كما حدث في (روما وأثينا وإسبرطة) فقد كان يطبق العقاب على الجنسين طالما كانت هناك عيوب خلقية أو إعاقات؛ فيترك المولود في الصحاري تتغذى عليه الطيور والوحوش!..
وبجانب العيوب الخلقية هناك أيضا الوفاء بالنذر (وهو ما حدث مع جد النبي صلى الله عليه وسلم عبد المطلب لأنه نذر ليذبحن ابنا له إن أنجب الذكور العشر، وكانت القرعة تقع على عبد الله والد النبي، وقد استعيض عن القتل بذبح مائة من الإبل)..
وقد يكون الاعتبار الاقتصادي، هو ما أضاف الذكور لقائمة التطهير المزعوم أيضا، فقد قيل أن (هند بنت معاوية) أرادت وأد ابنها من شدة العوز؛ فمنعها جارها (همام بن مرة) وأعطاها ناقة حلوب وامرأة مرضعة..
أما بقية الاعتبارت "دينية، وأخلاقية، ومثيولوجية، واجتماعية" فقد كانت من نصيب الأنثى وحدها!..
وها أنت عزيزي القارئ ترى أننا حتى الآن، وخاصة بمجتمعاتنا الريفية المنغلقة، نقدر الأنثى دائما؛ فهي (فلانة بنت فلان) بأضخم اللافتات إذا صارت صاحبة دخل.. طبيبة، مهندسة.. وهي الآنسة (s) على بطاقات دعوات حفلات الزفاف (بخط ضئيل، تغذى عليه واحتل مكانه أكثر من اسم عريض لامع لأكثر من ذكر: الأب، وكبير العائلة، وبالطبع ذكر الذكران فارس الفرسان.. العريس!)..
في الحالة الأولى هي تستحق لأنها منتجة، وتملك القدرة على الظهور، والاستقلالية.. وفي الحالة الثانية هي مجرد عار وعالة تم حرمانها من أبسط حق في الوجود.. إعلان اسمها!..
وأخيرا.. إذا كان وأد الأنثى تم سابقا بدفنها حية، ألا ترى معي أن طمس الاسم برمز إنجليزي نوعا جديدا من الوأد..
ألا تتفق معي أن إجبار المرأة على إسقاط حملها إذا كان الجنين أنثى نوعا جديدا من الوأد..
ألا توافقني الرأي بأن المغالاة في المهور وتكاليف الزواج بالفشخرة الكاذبة.. دعوة صريحة للوأد وكراهية إنجاب البنات!..