مساحة إعلانية
عرض عليّ صديقي أن أذهب معه إلى السوق ليشتري لأطفاله ألعابًا جديده، اعتذرتُ في البداية لانشغالي بإنهاء بعض أوراق العمل الضرورية، فأخبرني أنه سينتظرني حتى أنتهي، قائلًا بابتسامة: "ستغيرين جوًّا قليلًا، سترين أشياء غير تلك الأوراق الغارقة فيها منذ أسابيع." وافقت، هناك، دخل صديقي إلى مولٍ كبير،
انتظرته فى الخارج ، لفت انتباهي جناح لشركة تُدعى «مجرى»، كانت تعرض ما أسمته “عيونًا سحرية”، لكل واحدةٍ منها كود خاص.
وقفت أراقب الخارجين من الباب الزجاجي؛ وجوههم تشبه فرحة طفل يحمل ملابس العيد بين يديه، الدهشة تلمع في أعينهم، وكأنهم عادوا لتوّهم من عالم آخر.
وبمحض الصدفة، رأيت ابنة خالتي تخرج وهي تحمل واحدة منها. لمحَتني من بعيد، اقتربت بابتسامة يشوبها شيء من الغموض. تبادلنا السلام والحديث، ثم سألتها عمّا تحمله.
قالت بحماس: "هذه العين توصلك بعوالم أخرى، تسهّل عليك أعمالك، يومك، وحتى ترفيهك… لا تتخيلي كم هي مذهلة."سألتها عن الأضرار. ابتسمت بثقة وقالت:
"لا يوجد أي ضرر."
ظلّ كلامها يدور داخلي كتيار خفي. فكرة أن أمتلك واحدة، أن أُخفف عن نفسي ضغط الأيام المتراكمة، بدت مغرية. اشتريتها.
عند تشغيلها، وجدت صعوبة في التعامل معها، جهلًا مني بكيفية استخدامها؛ لكن سرعان ما بدأت الأسئلة تقودني، وأخذ كياني يتسلل إليها شيئًا فشيئًا. كانت اسمًا على مسمى؛ سحرتني.
تنقلت بين أجواء متعددة، تعرفت على أشخاص من بلاد وثقافات مختلفة. شعرت بانفتاح لم أعرفه من قبل.
انضممت إلى جلسة يتسامر فيها خمسة شبان وثلاث فتيات، يتحدثون عن أسرارهم التي يعيشونها خلف ظهور آباءٍ مشغولين بأعباء الحياة والإنفاق عليهم.
في أحاديثهم شيء من الجرأة… وشيء من الانفلات.
دهشت حين اقترح أحد الشبان على الفتيات أن يُدخلن صديقاتهن إلى العالم ذاته، قائلًا بخفة: "كلنا إخوة هنا."
لو وافقت إحداكن، يمكن أن تجمعها عينٌ خاصة بشابٍ تختاره… كل ليلة."
شعرت بشيءٍ غير مريح يتسلل داخلي.
لم تعد “العين” مجرد نافذة؛ بل بابًا يُفتح على عوالم اخرى.
ساد صمتٌ قصير، صمتًا يضجُّ بالهواجس. نظرتُ إلى "العين" القابعة في يدي، لم تعد تلمع ببريق التسلية، بل خُيل لي أنها "حدقة" باردة تراقبني، تنتظر مني سقطة واحدة لتبتلع ما تبقى من حقيقتي.
تذكرتُ وجه ابنة خالتي، ذلك الغموض الذي ظننته انبهارًا، أدركتُ الآن أنه "قناعًا" لشيءٍ فُقد منها ولم تعد تجرؤ على البكاء عليه، هل كانت تلك العين تسلبنا أرواحنا بالتدريج مقابل حفنة من "الصور" و"الحكايات الزائفة"؟
في تلك الليلة، لم أنضم لأي جلسة، وضعتُ العين على الطاولة ووقفتُ أمام المرآة، نظرتُ إلى عينيَّ الحقيقيتين؛ فيهما تعب العمل، وضغط الأيام، لكن فيهما أيضًا "صدق" لا تملكه تلك القطعة الزجاجية. شعرتُ أن شركة «مجرى» لم تكن تبيعنا عيونًا سحرية، بل تبيعنا "مجرىً" للهرب من أنفسنا، لنغرق في حيواتٍ لا تشبهنا.
حملتُها بين أصابعي، ثقيلة بشكلٍ مريب، تذكرتُ ضجيج الشباب، والفتيات اللاتي يبحثن عن "اهتمام" خلف أبواب مغلقة، وشعرتُ بالغثيان.
بيدٍ مرتجفة لكن بقلبٍ اتخذ قراره، رفعتُ يدي عاليًا، ثم ألقيتُ بها بكل قوتي نحو حافة المكتب الحادة.
"تـــك!"
صوتُ انكسار الزجاج أجمل لحنٍ سمعتُه منذ أسابيع، تناثرت الشظايا على الأرض كأنها دموعٌ منبوذة، شعرتُ فجأة ببرودة هواء الغرفة الحقيقي يلامس وجهي، وكأن حجابًا كبيرًا قد رُفع عن بصري.
لملمتُ البقايا، وضعتها في مظروفٍ أسود، وكتبتُ عليه بخطٍ عريض:
«الحياة لا تُرى بـ "أكواد"، بل تُعاش بـ "نبض" القلوب الصادقة.. حتى لو كانت متعبة.