مساحة إعلانية
عادت إلى البيت قبل الغروب بقليل، في تلك الساعة التي يتساوى فيها الضوء مع الظل، فلا هو نهار كامل ولا هو ليل صريح. كانت تحب هذا التوقيت قديمًا، تشعر أنه يشبهها؛ نصف مطمئن ونصف مرتبك. لكنها اليوم دخلت كمن يعبر بيتًا لا يخصه.
وضعت حقيبتها على الطاولة، ببطء مقصود، كأنها تضع شيئًا انتهى دوره. الهاتف صامت. لا رسائل اعتذار من الشركة. لا مكالمة مترددة منه. فقط إشعار قديم لم تحذفه بعد.
جلست على طرف الأريكة.
لم تبكِ.
منذ الصباح وهي تؤجل الشعور. في مكتب المدير كانت متماسكة. حين أعاد لها ملفها وقال بلهجة عملية باردة:
– "إعادة هيكلة."
هزّت رأسها وتفهمت.
وحين قابلته في المقهى مساءً، جلس أمامها ينظر إلى فنجان القهوة أكثر مما ينظر إليها. قال إنه يحتاج "مساحة". كلمة نظيفة، مهذبة، لا تترك أثرًا مباشرًا لكنها تسحب الأرض من تحت القدمين.
الآن، في بيتها، لم تعد مضطرة للتماسك.
نهضت لتفتح النافذة، لكنها توقفت عند السلم الخشبي المؤدي إلى العُلّية. أربع سنوات لم تصعده. منذ رحيل أبيها، تركته كما هو. كأن الغبار حارس رسمي لذاكرة لا تريد الاقتراب منها.
كانت علاقتها بأبيها بسيطة وعميقة في آنٍ واحد. لم يكن كثير الكلام، لكنه كان دائم الحضور. وجوده في البيت يشبه جدارًا ثابتًا، لا تلاحظه كل يوم، لكنك تطمئن لوجوده. وحين سقط ذلك الجدار فجأة، اكتشفت كم كان يحمل.
مدّت يدها إلى الدرابزين.
خشب بارد.
ترددت.
ثم صعدت.
كل درجة كانت تصدر صوتًا خفيفًا، كأن البيت يعترض. وصلت إلى الباب العتيق، دفعتْه قليلًا. انفتح بسهولة أكبر مما توقعت، كأن الزمن لم يُغلقه حقًا.
الهواء ثقيل برائحة الورق القديم. الضوء المتسلل من النافذة الصغيرة رسم خطوطًا ذهبية في الغبار العالق.
تقدمت خطوة.
ثم جلست على الأرض.
كانت هناك صناديق لم تفتح منذ الجنازة. تذكرت يومها كيف صعدت مع أمها لترتيب بعض الأشياء، ثم نزلتا قبل أن تكملا. لم تحتمل أمها المكان. ولم تحتمله هي.
مدّت يدها إلى أول صندوق. فتحته.
دفاتر قديمة. أوراق حسابات. ساعة يد متوقفة. وداخل كيس شفاف… معطفه الرمادي.
توقفت أنفاسها لحظة.
أخرجته ببطء.
كان أثقل مما تذكرت.
وضعت المعطف على كتفيها، كما كانت تفعل وهي صغيرة، حين تتسلل إلى غرفته وتقلده. يومها كان يضحك ويقول:
– "لسه بدري عليكي تكبري."
جلست على الأرض، والمعطف يحيط بها.
تدفقت الذكريات دون استئذان.
صوته وهو يناديها من الشرفة.
يده على كتفها يوم تخرجت.
نظرته حين أخبرته بوظيفتها الأولى، كأنها حققت شيئًا يخصه هو.
تنفست بعمق.
لم تكن تبكي بعد.
أدركت فجأة أن خسارتين في يوم واحد ليستا صدفة عابرة. بل لحظة كاشفة. فقدت عملًا كانت تعتقد أنه يعرّفها. وفقدت رجلًا كانت تظنه سندًا. وفي الحالتين، كانت تراهن على الخارج ليمنحها الثبات.
مدّت يدها داخل جيب المعطف.
شيء صلب.
أخرجته.
مفتاح صغير، مربوط بخيط أزرق.
تجمدت.
تذكرت المخزن الصغير أسفل الدرج، الذي كان أبوها يحتفظ فيه بأدواته. لم تفتحه منذ رحيله.
نهضت فجأة، كأن الفكرة دفعتها.
نزلت الدرج مسرعة، والمعطف لا يزال على كتفيها.
وقفت أمام باب المخزن. أدخلت المفتاح. دار بسهولة.
فتحت الباب.
رائحة خشب وحديد.
أدوات مرتبة بعناية. كل شيء في مكانه.
وعلى الطاولة، صندوق خشبي صغير.
اقتربت.
فتحته.
وجدت داخله دفترًا جلديًا، مغلقًا بشريط مطاطي. وعلى الصفحة الأولى، بخط أبيها:
"لو بتقرّي ده، يبقى محتاجة تفتكري حاجة."
جلست على الأرض مرة أخرى.
قلبت الصفحة.
كانت ملاحظات قصيرة، غير مرتبة. أفكار عن العمل. عن الخوف. عن الإقدام. جملة توقفت عندها طويلًا:
"اللي يخسر شغل يلاقي غيره. اللي يخسر حد، يتعلم يقف لوحده. أهم حاجة ما يخسرش نفسه."
أغمضت عينيها.
لم يكن خطابًا مباشرًا لها. ربما كتبه لنفسه في يوم ضعيف. لكنها شعرت أن الكلمات عبرت الزمن لتصلها الآن.
ضحكت بخفة وسط الدموع التي بدأت أخيرًا تسقط.
بكت هذه المرة.
ليس على الوظيفة.
ولا عليه.
بل على نفسها التي نسيت أنها قادرة.
مرّت ساعة، أو ربما أكثر، وهي جالسة في المخزن. حين خرجت، كان البيت أكثر هدوءًا. أو ربما هي التي هدأت.
عادت إلى غرفة المعيشة. جلست أمام هاتفها.
فتحت البريد الإلكتروني.
بدأت تكتب سيرة ذاتية جديدة.
حذفت بعض الجمل. أضافت أخرى. كتبت مهارات لم تكن تعترف بها سابقًا. لم تعد تخاف من الفراغ الذي سيأتي. كانت ترى فيه مساحة.
رن الهاتف فجأة.
ترددت لحظة قبل أن تنظر إلى الشاشة.
اسمه.
نظرت إليه طويلًا.
لم ترفض المكالمة.
لكنها لم ترد أيضًا.
تركته يرن.
وضعت الهاتف مقلوبًا على الطاولة.
نهضت. فتحت الأنوار هذه المرة. البيت لم يعد مظلمًا كما دخلته.
صعدت مرة أخرى إلى العُلّية. حملت بعض الصناديق. قررت أن تنظف المكان غدًا. لا لتستدعي الحزن، بل لتعيد ترتيب الذاكرة.
وقفت أمام النافذة الصغيرة هناك. الغروب انتهى. السماء تميل إلى زرقة عميقة.
لم تشعر بأنها قوية فجأة. لم يحدث تحول درامي. لكنها شعرت بشيء بسيط… يشبه خطوة أولى.
خلعت المعطف عن كتفيها.
طوته بعناية.
ثم أعادته إلى مكانه.
همست:
– "لسه بدري عليّ أكبر."
ونزلت.
في تلك الليلة، لم تكن على حافة الانهيار.
كانت على حافة الضوء.