مساحة إعلانية
حينما تصبح العقول هي أرض المعركة، وتتحول الشاشات الصغيرة إلى خنادق لغزو فكري صامت، لا يملك المرء إلا أن يقف مذهولاً أمام طوفان يهدد باقتلاع الجذور؛ من هنا، جاءت كلمات شيخ الأزهر الشريف كصعقة وعي في زمن الغفلة، وصرخة نذير تزلزل الصمت لتكشف عن مأساة جيل يُراد له أن يُساق مصلوب الإرادة، مسلوخ الهوية، ومعزولاً عن قضايا وطنه وأمته، ليتلقفه إعصار الانفلات الأخلاقي ويهوي به في قاع التيه والانهيار القيمي ، إن المعركة الحقيقية التي نخوضها اليوم لا تُسمع فيها طلقات الرصاص، بل تدور رحاها في صمت بداخل عقول أبنائنا وعلى شاشات هواتفهم، حيث يتعرضون لغزو فكري كاسح يستهدف اقتلاع الجذور ومحو الهوية ، وهنا تقع المسؤولية الكبرى على عاتق الآباء والأمهات ؛ فالبيوت لم تعد مجرد مأوى للمبيت ، بل هي حصن الدفاع الأخير عن وعي هذا الجيل وأخلاقه، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»، فترك الأبناء لقمة سائغة لخوارزميات الفضاء الرقمي وثقافات التغريب ، دون حوار دافئ يربطهم بأصولهم ودينهم، هو انسحاب من المعركة وتسليم لفلذات الأكباد لطوفان من الانفلات والانحلال الأخلاقي، على الأسرة اليوم أن تستعيد دورها القيادي، وأن تبني جسوراً من الثقة والقدوة الحية، ليرى الأبناء في قيمهم الأصيلة فخراً وأماناً، لا قيوداً وتخلفاً، وبذلك فقط نغرس فيهم مناعة فكرية تصمد أمام أعاصير التشويه والمسخ الثقافي،وفي المقابل، فإن هذا الخطاب لا يكتمل إلا بنفض الغبار عن همم الشباب أنفسهم، الذين يُراد لهم أن يكونوا مجرد قطيع مستهلك يساق بلا وعي ولا قضية، يا شباب الأمة، إن الحرية الزائفة التي تُعرض عليكم في قوالب براقة ليست إلا قيوداً غير مرئية لتجريدكم من مكامن قوتكم وسلخكم عن قضايا أوطانكم المصيرية، إن اعتزازكم بهويتكم وثوابتكم الأخلاقية ليس رجعية، بل هو قمة التمرد والوعي في وجه عالم يريد تحويلكم إلى مسوخ بلا هوية ولا تاريخ؛ وكما قال الشاعر " إنَّمَا الأُمَمُ الأَخْلاقُ مَا بَقِيَتْ ،،، فَإِنْ هُمُ ذَهَبَتْ أَخْلاقُهُمْ ذَهَبُوا "
تذكروا دائماً أن الأمة التي تفقد شبابها في سراديب الانفلات الأخلاقي والتفاهة هي أمة تحتضر، وأنكم لستم هوامش في هذا الوجود بل أنتم عمق الأمة وحماتها، فلتكن عقولكم عصية على الاختراق، ولتكن مبادئكم هي البوصلة التي تقودون بها قاطرة المستقبل، لتثبتوا للعالم أجمع أن جذوركم أعمق من أن تقتلعها رياح الوافدين،
إن كلمات شيخ الأزهر لم تكن مجرد توصيف لواقع مرير، بل هي إعلان طوارئ يفرض على الأمة بأسرها الاستيقاظ قبل فوات الأوان، إن حماية جيل الشباب من مغبة التحلل الفكري والأخلاقي ليست ترفاً ثقافياً، بل هي قضية وجود ومعركة بقاء لن ينتصر فيها إلا من تسلح بالوعي واستمسك بجذور الأصالة ، لن يتوقف طوفان التغريب ما لم يجد أمامه سداً منيعاً تبنيه الأسرة بوعيها، ويحميه الشباب بعزيمتهم واعتزازهم بكيانهم وقضايا أمتهم فإما أن نكون على مستوى التحدي ونستعيد زمام المبادرة بصناعة إنسان الوعي والقيم، أو نترك المستقبل ليرسمه الآخرون على أنقاض هويتنا؛ والتاريخ لا يرحم الواهمين، ولن يغفر لجيل فرط في أمانة عقول أبنائه