مساحة إعلانية
يبدو أن بعض المسؤولين اكتشفوا أخيرًا أن أخطر ما يهدد منظومة التأمينات الاجتماعية ليس الزحام، ولا تأخر إنهاء مصالح المواطنين، ولا تعقيد الإجراءات، ولا سوء المعاملة إن وُجدت، وإنما... كاميرا موبايل المواطن!
نعم، المواطن الذي يدخل مكتب التأمينات بحثًا عن معاشه أو مستحقاته أو لإنهاء معاملة تخص حياته ومستقبله، أصبح فجأة في نظر البعض «مصورًا محترفًا» يجب إيقافه قبل أن يخرج هاتفه من جيبه!
والحل العبقري الذي جرى اكتشافه؟
«ممنوع التصوير»!
وكأن المواطن دخل بالخطأ إلى منشأة عسكرية شديدة السرية، أو على وشك أن يكتشف أسرارًا نووية مخبأة داخل أحد مكاتب التأمينات!
إلى السيد جمال عوض، رئيس الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي:مع كامل الاحترام، المواطن مش داخل الهيئة علشان يصور أسرار الدولة العليا!
هو داخل علشان يخلص مصلحته، ويقف في الطابور، وينتظر دوره، ويتعامل مع موظف عام يفترض أن وظيفته الأساسية هي خدمة المواطن وإنهاء مصالحه في إطار القانون.
فبدلًا من أن يتحول شغل بعض المسؤولين الشاغل إلى مطاردة كاميرا المواطن، لماذا لا تكون الأولوية لمطاردة التأخير، والتعقيد، وسوء المعاملة، وأي تجاوزات قد تحدث داخل مكاتب الخدمة؟
الموبايل ليس هو المشكلة.
المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يشعر المواطن أن شكواه لا تجد من يسمعها، وأن صوته لا يصل، وأنه قد يحتاج إلى توثيق ما يحدث حتى لا تتحول الواقعة في النهاية إلى روايتين:
رواية المواطن... ورواية الموظف!
أما أن تتحول عبارة «ممنوع التصوير» إلى جملة جاهزة تُقال للمواطن بمجرد أن يفتح هاتفه، فهنا نسأل بمنتهى البراءة:هو المواطن داخل يصور إيه بالضبط؟ خزنة الهيئة؟ ولا كلمة السر بتاعة المعاشات؟!
وإذا كان هناك قانون أو لائحة تنظم أو تمنع التصوير في مكان معين، فالأمر ببساطة يجب أن يكون واضحًا ومعلنًا، ومستندًا إلى أساس قانوني، مع الحفاظ في الوقت نفسه على خصوصية المواطنين وبياناتهم الشخصية.
أما سياسة «ممنوع وخلاص»، فهذه ليست إدارة حديثة، وإنما أقرب إلى إدارة بعقلية:«نفّذ وبعدين اسأل!»والأهم من مطاردة هواتف المواطنين هو مراجعة أداء الموظفين.
علّموا الموظف أن يتحدث بأدب.علّموه أن يحترم كبير السن.علّموه أن صاحب المعاش ليس متسولًا يقف على باب أحد.علّموه أن المواطن ليس متهمًا حتى تثبت براءته.وعلّموه أن الشباك الذي يقف خلفه ليس «مملكة خاصة» ممنوع الاقتراب منها أو السؤال فيها!
الموظف العام لا يملك المواطن... الموظف العام يخدم المواطن.وإذا حدث تجاوز من موظف، فالمفترض أن تكون هناك آليات واضحة وميسرة للشكوى، والتحقيق، والمحاسبة، وفقًا للقانون، بدلًا من تحويل الأمر إلى معركة عبثية عنوانها:«هات الموبايل!»«ممنوع التصوير!»«امسح اللي صورته!»وكأننا أمام عملية أمنية كبرى لضبط أخطر عنصر إجرامي في تاريخ الهيئة : مواطن ماسك موبايل!
يا سادة، الناس تعبت من لغة التخويف.
المواطن لا يريد خناقة مع الموظف، ولا يبحث عن بطولة على مواقع التواصل الاجتماعي، ولا يريد أن يحول مكتب التأمينات إلى استوديو تصوير.
هو يريد شيئًا بسيطًا جدًا:«خلّص لي مصلحتي باحترام... وأنا هشكرك وأمشي».
أما إذا أخطأ موظف أو حدث تجاوز، فمن حق المواطن أن يعرف الطريق القانوني لتقديم شكواه، ومن حق الجهات المختصة أن تتحقق من الواقعة وتحاسب المخطئ إذا ثبت تجاوزه.
فالمؤسسة القوية ليست التي تمنع المواطن من الكلام، وإنما التي لا تخشى من سماع الكلام.
يا جماعة الخير... ارحموا المواطن شوية!
المشكلة مش في كاميرا الموبايل.
المشكلة لما الخدمة نفسها تبقى محتاجة كاميرا علشان تثبت إنها حصلت!
ولو كانت كل الأمور تسير على أكمل وجه، فلماذا كل هذا الذعر من هاتف مواطن؟
اضبط الأداء... مش الكاميرا.
حاسب المخطئ... مش اللي بيشتكي.
احترم المواطن... بدل ما تخوفه.
وبلاش كل ما المواطن يرفع موبايله نتصرف وكأنه رفع سلاحًا نوويًا!
فالهيئة التي تريد أن تحظى باحترام المواطن لا تحتاج إلى لافتة تقول:«ممنوع التصوير»
بقدر ما تحتاج إلى لافتة أكبر وأهم، يراها المواطن بمجرد دخوله:
«هنا تُحترم كرامة المواطن.. وهنا يُحاسب أي موظف يتجاوز».دي اللافتة اللي الناس عايزة تشوفها... مش لافتة تخلي المواطن يحس إنه دخل منطقة محظورة!
من حقكم منع التصوير ولكن شرط وضع كاميرات في كل ركن في الاماكن التي تتعامل مع الجمهور للتحقيق في حال التجاوز سواء من المواطن أو الموظف وهناك أماكن كثيرة تقوم بتطبيق ذلك الأمر