مساحة إعلانية
تقرير: عبد الرحمن الجلوي
في موسم سينمائي ملئ ومزدحم بالأعمال المتنوعة، يأتي فيلم «شمشون ودليلة» ليضع نفسه في منطقة مختلفة تجمع بين الأكشن والكوميديا والمطاردات والرومانسية، في تجربة تراهن على ثنائية جديدة تجمع الفنان أحمد العوضي والفنانة مي عمر للمرة الأولى على شاشة السينما.
ومن وجهة نظري، فإن «شمشون ودليلة» يستحق أن يكون واحدًا من أبرز أفلام صيف 2026، ليس فقط بسبب عناصر الفرجة التي يقدمها، وإنما لأنه يفتح الباب أمام نجومه لخوض مناطق جديدة بعيدًا عن القوالب التي اعتاد الجمهور رؤيتهم فيها.
العوضي.. من «ابن البلد» إلى الكوميديا
اعتاد الجمهور أن يرى أحمد العوضي في أدوار تحمل ملامح الرجل الشعبي، وابن البلد، والشخصية القوية التي تدخل في صراعات ومواجهات مباشرة.
من «فهد البطل» والشخصية الصعيدية، إلى أدوار الأكشن والشخصيات التي تنتمي إلى عوالم مختلفة، استطاع العوضي أن يصنع لنفسه حضورًا خاصًا لدى الجمهور، وأصبح الأكشن تحديدًا منطقة يعرف كيف يتحرك داخلها.
لكن «شمشون ودليلة» يضعه أمام اختبار مختلف.
للمرة الأولى تقريبا، نرى العوضي يخوض مساحة الأكشن الكوميدي بصورة واضحة، وهي منطقة لم تكن حاضرة بقوة في اختياراته السابقة. والعوضي نفسه تحدث عن كون هذا اللون جديدا عليه، وهو ما يجعل التجربة بالنسبة له بمثابة مغامرة فنية حقيقية.
وهنا تحديدا تكمن أهمية الفيلم في مسيرته؛ فالفنان الذي يظل أسيرًا لشخصية واحدة مهما حققت من نجاح، قد يتحول نجاحه إلى قيد. أما الفنان الذي يغامر ويبحث عن مناطق جديدة، فهو يمنح نفسه فرصة لاكتشاف إمكانات أخرى.
العوضي في «شمشون ودليلة» لا يتخلى تماما عن حضوره القوي، لكنه يحاول أن يضيف إليه خفة الظل والموقف الكوميدي، وهذه المحاولة في حد ذاتها تستحق التقدير.
مي عمر.. دليلة مختلفة
أما مي عمر، فتخوض بدورها تجربة مختلفة من خلال شخصية «دليلة»، الفتاة الذكية التي تدخل عالم السرقة والنصب، قبل أن تتقاطع طرقها مع شمشون.
واللافت أن الشخصية لا تعتمد فقط على حضور مي أو جمالها، وإنما تمنحها مساحة للحركة والمطاردات والمواقف الكوميدية والأكشن.
وهذا ما جعل الشخصية مختلفة عن عدد من الأدوار التي قدمتها من قبل، وهو أمر أشارت إليه مي عمر نفسها عند حديثها عن العمل.
والأهم من ذلك هو الكيمياء التي نشأت بين العوضي ومي عمر على الشاشة.
الثنائي لا يعتمد فقط على فكرة البطولة المشتركة، وإنما على التنافس بين شخصيتين لكل منهما هدفه ودوافعه، قبل أن تتطور العلاقة تدريجيًا إلى مساحة أكثر عاطفية.
وهذه الكيمياء تحديدا كانت أحد عناصر الجذب الأساسية في الفيلم.
قصة بسيطة.. لكن قابلة للفرجة
«شمشون ودليلة» لا يقدم نفسه باعتباره فيلمًا فلسفيًا أو عملًا يريد تقديم إجابات كبرى عن الحياة.
هو فيلم ترفيهي في المقام الأول.
لدينا لص تائب، وفتاة محترفة في السرقة، وماسة ثمينة، ومطاردات، وعصابات، وانتقال بين أكثر من دولة، وقصة حب تنشأ وسط هذه الفوضى.
وقد يكون هذا تحديدًا أحد أسباب وصول الفيلم إلى الجمهور؛ لأنه يعرف نوعية الفيلم الذي يريد تقديمه ولا يبتعد كثيرًا عن معادلة الترفيه.
الفيلم عُرض في دور السينما المصرية بداية من 8 يوليو 2026، واستطاع في يومه الأول تحقيق نحو 4.285 مليون جنيه، متصدرًا شباك التذاكر، وهو مؤشر مبكر على حجم الاهتمام الجماهيري بالعمل.
الأكشن.. نقطة قوة تحتاج إلى مزيد من الانضباط
من أبرز عناصر الفيلم مشاهد المطاردات والأكشن، خصوصًا مع التصوير في عدد من الدول الأوروبية وتنفيذ مشاهد خطرة ومطاردات بالسيارات.
وتحدث أحمد العوضي عن مشاركته في بعض المشاهد الخطرة بنفسه، وهو ما يضيف إلى الجانب البصري للعمل ويمنح المشاهد إحساسًا أكبر بالمغامرة.
لكن هنا يأتي النقد البناء.
بعض مشاهد الأكشن كان يمكن اختصارها قليلًا لصالح الإيقاع العام، كما أن الفيلم في بعض لحظاته يقترب من القوالب المعروفة في أفلام الأكشن الكوميدي، وهو ما جعل بعض النقاد يرون أن العمل لم يبتعد بالقدر الكافي عن أفكار سبق تقديمها.
وهذا لا ينتقص من قيمة التجربة، لكنه يضع أمام صناع الفيلم تحديًا مهما في الأعمال المقبلة: الجمهور المصري أصبح أكثر وعيًا بتفاصيل الصورة والإيقاع والحبكة، ولم يعد يكتفي بمجرد وجود المطاردات والانفجارات والمواقف الكوميدية.
بين رأي الجمهور ورأي النقاد
هنا يجب أن نفرق بين النجاح الجماهيري والرأي النقدي.
الجمهور ذهب إلى السينما، والفيلم حقق صدارة في أول أيام عرضه، وهذه حقيقة لا يمكن تجاهلها.
لكن في المقابل، جاءت بعض القراءات النقدية أكثر تحفظا، ورأت أن الفيلم ممتع في بعض لحظاته، لكنه يعاني من بعض التكرار في الأفكار والإفيهات، وأنه كان يحتاج إلى هوية أكثر تميزًا.
ومن وجهة نظري، لا يوجد تعارض بين الأمرين.
فالفيلم يمكن أن يكون ناجحاً جماهيرياً، وفي الوقت نفسه يكون أمامه مساحة كبيرة للتطوير فنيا .
وهنا تحديدًا تظهر أهمية النقد الحقيقي؛ فالنقد ليس أن نقول إن العمل عظيم لمجرد أننا نحبه، وليس أن نهاجمه لمجرد أننا نختلف مع أبطاله.
النقد هو أن نرى نقاط القوة ونشير إليها، ونرى نقاط الضعف ونقولها باحترام.
«شمشون ودليلة».. خطوة مهمة في مشوار العوضي
أعتقد أن القيمة الحقيقية للفيلم بالنسبة لأحمد العوضي لا تتوقف فقط عند الإيرادات أو ردود فعل الجمهور.
القيمة الأهم هي أنه بدأ يختبر نفسه في منطقة جديدة.
الفنان لا يمكن أن يعيش طوال عمره داخل شخصية «ابن البلد» أو الرجل القوي أو البطل الشعبي، مهما كانت هذه الشخصيات ناجحة.
والعوضي لديه حضور جماهيري كبير، وهذا الحضور يمنحه فرصة حقيقية للمغامرة.
وقد يكون «شمشون ودليلة» بداية لمرحلة أكثر تنوعا في اختياراته السينمائية، إذا استمر في البحث عن الشخصيات التي تكشف جوانب جديدة من موهبته.
أما مي عمر، فقد وجدت في «دليلة» مساحة مناسبة لتقديم شخصية أكثر حركة ومغامرة، وهو ما يمكن أن يشجعها على الاستمرار في البحث عن أدوار بعيدة عن التكرار.
كلمة أخيرة
«شمشون ودليلة» ليس فيلمًا كاملًا بلا ملاحظات، ولا ينبغي أن نتعامل معه بهذه الطريقة.
لكنه في رأيي واحد من أبرز أفلام موسم صيف 2026 من حيث خلطة الأكشن والكوميديا والمغامرة، وخصوصًا من حيث الجرأة في جمع أحمد العوضي ومي عمر في ثنائية سينمائية جديدة.
نجاح التجربة الحقيقي لن يتوقف عند شباك التذاكر، وإنما سيظهر في السؤال الأهم:
هل يستطيع العوضي بعد «شمشون ودليلة» أن يواصل كسر الصورة النمطية التي صنعها لنفسه؟
إذا كانت الإجابة نعم، فقد يكون الفيلم بالفعل نقطة تحول مهمة في مسيرته.
أما الجمهور، فقد قال كلمته الأولى من شباك التذاكر، ويبقى الحكم النهائي للتجربة مع استمرار العرض.