مساحة إعلانية
بقلم محمود النعيمي
كنت ساهرا الليلة مع بعض الأصدقاء، فأخذنا أطراف الحديث، وجرنا الكلام إلى شعور المؤمنين في الجنة. سألونا: أي شعور تتمنى؟ فقلت لهم كلمة خرجت من قلبي بلا تردد: لو أضفى الله علي شعورا في الجنة كشعوري من عام 1993 إلى عام 1997 لقلت له: رضيت يا رب.
لم تكن تلك السنوات مجرد تاريخ في التقويم، بل كانت حالة من الصفاء الكامل، وزمنا آخر غير هذا الزمن.
كانت قريتنا في تلك الأعوام ثلث ما هي عليه اليوم من العمران. كان الثلث مبنيا، والثلثان لم يبنيا بعد. لم تكن هناك بيوت شاهقة ولا كتل إسمنتية متجهمة تخنق الأفق، بل كانت قرية ريفية هادئة جميلة، تحيط بها الحقول الخضراء من جهاتها الأربع، كأنها سوار من الزمرد يحرسها. وكان النيل يرسل نسيمه في المساء فيغسل وجوهنا من غبار النهار.
لم يكن هناك إنترنت، ولا طبق فضائي، ولا هاتف أرضي، ولا هاتف محمول. لم يكن هناك شيء يقطع صلة الإنسان بالسماء. كانت السماء هي شاشتنا، والنجوم هي قنواتنا. كنا نعرف موعد القمر وموعد الشفق وموعد سقوط الندى، لأننا كنا ننظر إلى السماء، لا إلى الشاشات.
في تلك السنوات كنت أمتلك فرستي الحمراء ذات العرف الأسود. كانت تعرف صوتي، وتعرف طريق الحقل وحدها. وكنت أمتلك بندقية الصيد بضغط الهواء، نمرة اثنين، أصطاد بها صقور السقاو، وطيور البلسان، وأعود في المساء كأنني عدت من غزوة. وكانت معي دراجتي، وكانت معي كرة القدم الجلدية التي أهداها لي والدي.
لا أزال أذكر تلك الكرة. حين أهداها لي والدي، فرحت بها فرحا يفوق الوصف، فرحا أقولها صادقا، كان أكبر من فرحتي يوم حملت أول مولود لي، ابني عبد الرحمن. لأنها لم تكن كرة، كانت اعترافا من أبي بأنني كبرت، وكانت مفتاحا لعالم من السيادة على التراب.
كان كل من عمره اليوم ثلاثون عاما لم يكن قد خلق بعد في رحم أمه. كنا نحن آخر جيل يلعب في الطرقات بلا خوف.
لم تكن هناك دراجات نارية تصم الآذان، ولا سيارات تزحم الطرقات، ولا حتى عربات كارو. كانت الطرقات من تراب نظيف، تمشي عليها الأقدام حافية فلا تجرحها.
كان آباؤنا الطيبون، رجال الزمن الجميل، كلهم على قيد الحياة. كانوا إذا تكلموا ظننت أنك تجلس مع سادة قريش، فصاحة وأدبا واحتراما وقيما ومبادئ. كانت الخصومة بينهم شريفة، والكلمة عهد، والرجولة شرف لا يباع، والعيب يغسل بالدم، والوعد دين. كان الرجل منهم يزن مجلسا كاملا، إذا دخل سكت الصغار، وإذا حكم رضي الجميع.
كانت الماشية في القرية أكثر من عدد البشر أضعافا مضاعفة. كانت الأبقار والجاموس والأغنام تملأ الحظائر، واللبن يسيل في كل بيت، والزبد يطفو على الإناء، والبيض يجمع كل صباح من تحت الدجاج. وكانت الأطعمة متوفرة والخير فائضا.
كان هم الرزق هو آخر الهموم التي نهتم بها. لم يكن أحد يفكر في رزق الغد، ولا في فاتورة إنترنت، ولا في فاتورة غاز، ولا في قسط ولا في إيجار. لم تكن هناك فواتير أصلا. كانت الأرض تعطي، والسماء تعطي، والناس تأكل وتطعم.
لم تكن هناك أجهزة غاز حديثة، بل كنا نخبز في الأفران البلدية التي توقد بالحطب، فيخرج العيش ساخنا برائحة الدخان والطين، رائحة لا يعرفها أبناء المدن. وكنا نطبخ على الكوانين و "البوابير"، ويظل القدر يغلي على مهل، فينضج الطعام بحب وصبر، لا على عجل.
كان كل شيء يأخذ وقته. الخبز يأخذ وقته، واللبن يأخذ وقته، والكلام يأخذ وقته. ولذلك كان كل شيء له طعم.
لم يكن هناك قلق، لأن الزمن كان بطيئا. ولم يكن هناك اكتئاب، لأن الناس كانت ترى بعضها كل يوم. كان الرجل يمرض فيزوره أهل القرية كلهم، وكان الفرح يقام فترقص له القرية كلها.
إن ما أحن إليه ليس الفقر ولا قلة الوسائل، لأني كنت بالفعل من أثرى أثرياء كوكب الأرض في هذه الآونة، لكن ما أحن إليه هي تلك البركة التي نزعت. بركة الوقت، وبركة الطعام، وبركة الناس.
كنت ثريا بالمعنى الحسابي للثراء، الموارد أكبر وأكثر من الرغبات والأمنيات، كانت دائرة رغباتنا صغيرة ومغلقة، لذلك كان أقل شىء يرضينا ويمتعنا
في تلك السنوات، من 1993 إلى 1997، كان العالم كله هو قريتنا، وكانت قريتنا هي العالم كله. وكنا نملك كل شيء ونحن لا نملك شيئا.
دراجة وكرة وبندقية صيد كانوا يضفون شعورا لن يعرفه من تهدي له اليوم سيارة لامبورجيني.
البيوت كانت منتجة، تنتج السمن البلدي، والجبن، والقشدة، والرايب، وجميع أنواع الطيور والحيوانات، عكس هذه الأيام التي تشكل البيوت فيها ضغطا هائلا على الماركت.
لو خيرني الله أن أختار شعورا أخلد به في الجنة، لاخترت شعور ذلك الصبي الذي يركب فرسته الحمراء، وبندقيته على كتفه، وكرته الجلدية تحت إبطه، يعود من الحقل عند المغرب، والحقول خضراء من حوله، وآباؤه الطيبون ينتظرونه على المصطبة، ولا هاتف يرن، ولا فاتورة تنتظر.
شعور الصبي الذي كان يجلس بجوار والده بالمكان الواسع أمام المنزل في شمس الصباح الشتوية الدافئة يقشر له عود قصب السكر، ويقشر له اليوسفي والبرتقال الأخضر في بداية موسمهما، ويغسل له الجزر الأحمر، ويرسل أخي الأكبر إلى البيت ليجلب الترمس والبطاطا الحلوة الصفراء والبيضاء.
أقسم أن الملح قديما كان ألذ من سكر اليوم، كنت أرش الملح على البطاطا الصفراء وآكلها، فيذوب الملح بها في فمي أشهى وألذ من الشهد المكرر
ذلك الشعور لو دام، فقد رضيت