مساحة إعلانية

منبر

ثقافة x ثقافة

سرد بلا ضفاف | عبد المنعم مطاوع... عبقريٌّ عاش للفن ومات وفي قلبه جرح الحب

2026-06-29 10:54 PM  - 
سرد بلا ضفاف | عبد المنعم مطاوع... عبقريٌّ عاش للفن ومات وفي قلبه جرح الحب
عبد المنعم مطاوع

بقلم: السيد حافظ
«الحب آخر موجة جوه إسكندرية.»— عبد المنعم مطاوع
«إن دأب الفرد فينا... يحررنا من الفناء.»— عبد المنعم مطاوع
هناك فنانون يرسمون اللوحة ثم يغادرونها، وهناك فنانون تتحول حياتهم نفسها إلى لوحة مفتوحة على الألم والجمال. وكان عبد المنعم مطاوع من هؤلاء القلائل الذين عاشوا الفن قدرًا لا مهنة، ورسالة لا وسيلة، حتى صار العشق جرحًا، والثقافة عزلة، والإبداع طريقًا إلى الفناء الجميل.
عبد المنعم مطاوع، ابن كفر الشيخ – على ما أظن – وابن عم الفنان عبد الرحيم مطاوع، وابن عم المخرج الكبير كرم مطاوع، وابن عم الصحفي الكبير عبد الوهاب مطاوع بالأهرام. وهو من مواليد عام 1935، ومن دفعة 1963-1964 بكلية الفنون الجميلة بجامعة الإسكندرية، دفعة الفنان العالمي فاروق حسني.
كان من أمهر وأعمق الفنانين التشكيليين الذين أنجبتهم مصر، وصاحب مدرسة خاصة في الواقعية، حتى إن كثيرًا من الفنانين الكبار تأثروا بتكنيكه وأفكاره، ولا داعي لذكر أسمائهم في هذا المقال منعًا للإحراج. وكان أيضًا شاعرًا حقيقيًا، كتب أجمل قصائده لفتاة أحبها بكل جوارحه، زميلته في كلية الفنون الجميلة. ويقال إنه كتب لها ديوانًا كاملًا، ضاع مع الزمن، أو حاول بعض أصدقائه جمعه بعد وفاته.
لكن القدر كان أكثر قسوة من الفن.
بعد التخرج، ذهب ليتقدم لخطبة حبيبته، فإذا بمعيد في الكلية يسبقه إلى طلب يدها، فتوافق هي، ويوافق أهلها، فتنهار الدنيا في داخله. كانت تلك الصدمة بداية انهياره النفسي، فأصيب باضطراب عصبي ونفسي معقد، أثر في حياته كلها، لكنه لم يمنعه من الرسم، وظل مخلصًا للفن حتى رحيله عام 1982.كنت وقتها فى الكويت 
كان من المفترض أن يُعيَّن معيدًا بكلية الفنون الجميلة، وأن يتزوج زميلته التي أحبها، لكن ذلك لم يحدث، فخسر الحب وخسر المستقبل في لحظة واحدة.
عينه الأستاذ سعد الدين وهبة في قصر ثقافة الشاطبي، الكائن في مبنى محافظة الإسكندرية، في الدور الثاني. وكان الفنان التشكيلي المصري الجميل مجدي ويلسون مديرًا للقصر، وكانت الأستاذة عبلة وكيلة القصر، بينما كانت الفنانة التشكيلية أميرة فهمي، زوجة الدكتور أحمد المصري، تهتم بمسرح العرائس، وتحاول تأسيس تجربة رائدة في الإسكندرية خلال السبعينيات.
وكان يساعدها الفنان النوبي الجميل أحمد بحر، طالب كلية الآداب قسم الجغرافيا، الذي كان يعمل بمكافأة في القصر، ويقضي معظم وقته في تصميم وصناعة العرائس، وكان ينام داخل القصر. وإذا اضطر أحد زملائه في الجامعة إلى المبيت ليلًا حتى لا ينام في الشارع، كان يفسح له مكانًا إلى جواره داخل القصر. وكان أكثر من استفاد من هذا الكرم زميلنا الشاعر حسن عقل، الذي كان يختبئ من ملاحقات البوليس السياسي بسبب مقالاته عن السادات.
وهناك، في مكتب أميرة فهمي، تعرفت إلى عبد المنعم مطاوع. وكانت أميرة فهمي قد رسمت غلاف كتاب مسرحيتي «الطبول الخرساء في الأودية الزرقاء»، وكان تصميم الكتاب من عملي.
حذرني الجميع منه.
قالوا إن حالته العصبية صعبة، وإن حالته العقلية غير مستقرة.
لكنني وجدت إنسانًا وديعًا، هادئًا، رقيقًا، وشاعرًا كبيرًا. فرحت به منذ اللحظة الأولى، وأدهشتني بكارة صوره الشعرية ودقة اختياره للكلمات.
ما زلت أذكر قوله:
«الحب آخر موجة جوه إسكندرية.»
وأذكر قوله:
«إن دأب الفرد فينا... يحررنا من الفناء.»
ارتبطت به بصداقة عميقة، وصرت آخذه معي إلى بروفات المسرح. نعم، كانت له بعض التصرفات الغريبة، لكنها لم تكن تمحو إنسانيته.
أحيانًا، ونحن نسير في الشارع، كان يصرخ فجأة:
"انظر... لقد نطت القطة من بطني."
أنظر فلا أرى قطة.
ثم يجري، فأجري خلفه حتى أمسكه.
وأحيانًا نجلس في مقهى، فيقول لي:
"انظر... القطة أنجبت أطفالًا ونطوا من بطني."
ولم أفهم يومًا سر القطط التي كانت تعيش في عالمه الداخلي، ولا مصدر هذا الهلع الذي كان يفاجئه.
وكان إذا اشتدت عليه الأزمة داخل القصر بسبب مجدي ويلسون أو الأستاذة عبلة، كانوا يرسلون أحمد بحر إلى كافتيريا كلية الآداب، حيث كنت أجلس، ليطلب مني الحضور.
كان قصر ثقافة الشاطبي بجوار كلية الآداب.
فنمشي معًا حتى القصر.
فأجد الموظفين جميعًا واقفين على السلم.
وأدخل وحدي.
فأجده جالسًا في مكتبه، وقد وضع ساقيه فوق المكتب، في مواجهة المدير والموظفين.
لم يكن قد كسر شيئًا.
ولم يعتدِ على أحد.
كل ما فعله أنه احتج بطريقته الخاصة.
فيقول لي مجدي ويلسون:
"خذه معك."
فآخذه إلى كلية الآداب، أو إلى مقهى شعبي متواضع في الشاطبي.
نجلس بالساعات.
أسأله:
"إيه يا شاعر؟ إيه أخبارك؟"
فيحدثني عن طفولته، وعن الفن، وعن الحب، وعن عالم غريب تمتلئ سماؤه بالحيوانات والقطط.
كان إنسانًا رائعًا.
هادئًا.
وديعًا.
وكنت أتعجب كيف تركته أسرته وحيدًا في مدينة موحشة مثل الإسكندرية.
أخذته أكثر من مرة إلى منزلنا في غربال بمحرم بك بالإسكندرية.
عرفته على أمي وأخواتي.
وجلس معنا على الطبلية يأكل.
وفي مرة، بعد أن انتهى من الطعام، قال لي:
"أريد أن أنام على هذه الكنبة قليلًا."
فنام.
وطلبت من أمي أن تعد له كوبًا من الشاي.
وقلت لها:
"دعيه ينام نصف ساعة... إنه متعب."
كان أحيانًا يذهب معي إلى بروفات المسرح، وإلى البروفات التي كنت أقيمها في كلية التربية، وإلى قصر ثقافة الحرية. وعندما ينتهي اليوم، أقول له:
"اذهب إلى بيتك."
فيقول:
"لا... سأأتي معك."
فأقول له:
"أنا ذاهب إلى أمي وأخواتي، وأنت اذهب إلى بيتك."
ولم أكن أعرف أين يسكن، ولا كيف يعيش، لكنه كان دائمًا نظيفًا. قميصه نظيف، وبنطلونه نظيف، وحذاؤه يلمع.
وكانت عيناه تحملان نظرة حادة إلى المستقبل، لكنها نظرة ضاع منها الأمل، وضاع منها الحب.
لقد عاش وحيدًا وغريبًا.
وسُرق تكنيكه وأفكاره الفنية على يد كثيرين.
ورحل قبل أن ينال المكانة التي يستحقها.
سلامات على روحك يا صديقي العبقري...
في وطن لا يحب العباقرة، ولا الشهداء، ولا الشرفاء.
السيد حافظ
القاهرة
رأى الذكاء الاصطناعي جروك 
تحليل عميق بالمنهج التحليلي المتعدد الأبعاد لنص «سرد بلا ضفاف»
1. التحليل النفسي-الوجودي (Psycho-existential Analysis)
النص يقدم حالة كلاسيكية لـالفنان المعذب (Tortured Artist archetype). صدمة الرفض العاطفي تعمل كـ«صدمة تأسيسية» (Founding Trauma) أدت إلى انهيار نفسي.
الأعراض الموصوفة (الهلوسات البصرية عن القطط، الصراخ المفاجئ، الاحتجاج الجسدي بوضع القدمين على المكتب) تشير إلى اضطراب نفسي معقد، ربما فصامي (Schizophrenia) أو اضطراب ما بعد الصدمة الحاد مع مكونات هلوسية.
القطط ليست مجرد هلوسة عشوائية؛ هي رمز نفسي عميق: في التحليل اليونغي، القطة ترمز إلى الأنيمة (الجانب الأنثوي المكبوت). ظهورها «تنط من البطن» يعبر عن ولادة غير مكتملة للذات، أو عن الحمل العاطفي المجهض الذي عاشه الفنان بعد رفض حبيبته.
عبد المنعم يمثل الوجودي المصري: «إن دأب الفرد فينا يحررنا من الفناء» – جملة تعكس محاولة يائسة لخلق معنى وجودي من خلال الفن في مواجهة العبث والانهيار.
2. التحليل الرمزي والأسطوري
القطط: رمز متكرر يحمل دلالات متعددة (الغموض، الاستقلال، الخيانة، السحر). تتحول من رمز رومانسي إلى رمز رعب داخلي، مما يعكس تحول الحب إلى جرح مزمن.
الإسكندرية: ليست مجرد خلفية، بل رمز مكاني. المدينة الساحلية تمثل «آخر موجة» – أي الحد الفاصل بين الوجود والفناء، بين الجمال والعزلة. إسكندرية هنا مدينة للمنسيين والمبدعين المهمشين.
الفن كفناء جميل: الفنان يحول حياته إلى «لوحة مفتوحة على الألم»، أي فن تشكيلي وجودي يرفض الإغلاق (الانتحار أو الصمت).
3. التحليل الاجتماعي-الثقافي (Socio-cultural Critique)
النص يشكل نقدًا حادًا للمجتمع المصري في فترة السبعينيات:
إهمال المؤسسة الثقافية: قصر الشاطبي يمثل الدولة البيروقراطية التي تستوعب الفنان فقط كموظف، وتتعامل مع انهياره كمشكلة إدارية.
سرقة الإبداع: «سُرق تكنيكه وأفكاره» – ظاهرة شائعة في المشهد الثقافي المصري حيث يستفيد المنتفعون من عبقرية المرضى أو المنسيين.
الطبقية والعلاقات: رفض أهل الفتاة للفنان (رغم موهبته) مقابل معيد في الكلية يكشف عن قيم اجتماعية تقليدية تفضل الاستقرار الوظيفي على الموهبة.
الرجولة المصرية: الكاتب يقدم نموذجًا بديلًا للصداقة الذكورية الحانية والرعائية، بعيدًا عن الصورة التقليدية السطحية.
4. التحليل الأسلوبي والأدبي
السرد المزدوج: السيد حافظ يستخدم تقنية «الراوي-الشهود» ببراعة. هو ليس مجرد صديق، بل وسيط الذاكرة الذي ينقذ الفنان من النسيان.
اللغة: تتسم بالـبوليفونية (تعدد الأصوات): صوت الكاتب، صوت عبد المنعم (الاقتباسات)، صوت المجتمع (التحذيرات منه)، والصوت الشعبي (الحوارات).
الإيقاع: ينتقل من الشعرية العالية إلى الواقعية اليومية فجأة، مما يعكس حالة الفنان نفسه (الانتقال بين الواقع والعالم الداخلي).
الإيحاءات الأدبية: يذكر بأسلوب «السيرة الذاتية للفنان» عند غسان كنفاني أو «الغريب» لكامو، مع لمسة مصرية شعبية.
5. الدلالات الفلسفية والإنسانية
النص يطرح سؤالًا وجوديًا كبيرًا:
هل يستطيع الفنان أن يعيش بدون حب، أم أن الحب هو الوقود الذي إذا انقطع أدى إلى احتراق الذات؟
عبد المنعم يمثل الشهيد الفني في مجتمع لا يحتفل بالشهداء إلا بعد موتهم. النص يرفض الرومانسية الساذجة ويقدم رؤية تراجيدية ناضجة: العبقرية غالبًا ما تكون عقابًا وليست نعمة.
تقييم نهائي عميق:
النص ليس مجرد تذكر شخصي، بل عمل أدبي-توثيقي يحمل قيمة تاريخية وفنية عالية. ينجح في تحويل قصة فرد مأساوية إلى نقد أوسع للثقافة المصرية المعاصرة في تعاملها مع مبدعيها. رغم بعض الارتجال في البناء، فإن صدقه العاطفي وعمقه الإنساني يجعله نصًا استثنائيًا.
هو ينتمي إلى أدب «الشهادة على المنسيين»، ويستحق أن يُنشر ضمن كتاب أكبر عن فناني الإسكندرية المنسيين.
هل تريد التركيز على بعد معين (مثل التحليل النفسي بالتفصيل، أو مقارنة مع فنانين آخرين مثل فان غوخ أو حسين بيكار، أو تحليل لغوي دقيق)؟ أو تريد تحويل هذا التحليل إلى مقال منفصل؟

مساحة إعلانية