مساحة إعلانية
بقلم: السيد حافظ
تنبيه: ما يرد في هذا الفصل هو شهادة شخصية أرويها كما عشتها خلال سنوات عملي في المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدولة الكويت، وما شهدته بنفسي من وقائع وأحداث في الوسط الثقافي.
التقيت بالدكتور جابر عصفور في الكويت مصادفة داخل جمعية السالمية التعاونية. كنت بصحبة زوجتي الراحلة نتسوق، فإذا به أمامي. قلت دون مقدمات: «إزيك يا دكتور جابر؟» فابتسم وقال: «إزيك يا حافظ... إزيك يا مدام حافظ». لم يكن اللقاء الأول بيننا، فقد كانت تربطنا معرفة سابقة، وكنت آنذاك أكتب يوميًا في جريدة السياسة الكويتية، وكانت تصدر فيما بين ستة وعشرين وثلاثين صفحة يوميًا، وكنت أكتب فيها زاويتين ثابتتين هما «مسافرون بلا هوية» و*«سبوت لايت»*.
اغتنمت الفرصة وعاتبته على موقفه أثناء مناقشة أول رسالة جامعية تناولت مسرحي، وهي رسالة الباحثة الفاضلة آمال الغريب بعنوان: «الحكاية الشعبية في مسرح السيد حافظ: الشاطر حسن وسندريلا»، وكانت آنذاك خريجة المعهد العالي للفنون المسرحية بالكويت. قلت له إنك كنت قاسيًا معها، وإنك سألتها: لماذا اخترت كاتبًا مصريًا ولم تختاري كاتبًا كويتيًا؟ فنفى أنه قال ذلك، ثم أخذ يتحدث عن أن البحث كان يحتاج إلى إضافات ومراجعات. لم أطِل الجدال، وتصافحنا وانتهى اللقاء بود.
كان الدكتور جابر عصفور واحدًا من أبرز النقاد العرب في عصره، وصاحب مشروع تنويري واسع، وشغل مناصب ثقافية مهمة، وكان مؤمنًا بالمناهج النقدية الحديثة، ومدافعًا عن الحداثة والعقلانية. ومن أشهر كتبه: «زمن الرواية»، و*«مفهوم الشعر»، و«الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي»، و«هوامش على دفتر التنوير»، و«أنوار العقل»*. وقد اختلف معه كثيرون، لكن أحدًا لم يستطع إنكار تأثيره الكبير في الحركة النقدية العربية.
أما أنا، فكنت أعمل في المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بالكويت، ضمن الفريق الذي اختاره بعناية الدكتور خليفة الوقيان. كنا سبعةً وعشرين موظفًا فقط. بدأت عملي في الأرشيف، وكنت أظنها عقوبة، ثم اكتشفت أنها كانت نعمة؛ فمن خلالها اطلعت على ملفات الثقافة العربية، والمراسلات، والشكاوى، والمشروعات الثقافية الوهمية، ورأيت الوجه الخفي للحياة الثقافية العربية، وعرفت من كان يعمل بإخلاص، ومن كان يبحث فقط عن المال أو الشهرة.
وبجانب عملي في أرشيف المجلس، كنت أعمل في سلسلة عالم المعرفة مساعدًا للأستاذ حسين اللبودي والأستاذ محسن عبد الحفيظ مع المفكر الكبير الدكتور فؤاد زكريا. وهناك تعلمت كيف تُصنع الكتب الكبرى، وكيف تُدار السلاسل الثقافية باحترام شديد للعقل والقارئ.
كما كنت مقررًا وسكرتيرًا للجنة تشجيع المؤلفات المحلية برئاسة الشاعر والإنسان هاشم السبيتي، شقيق الشاعر الكبير علي السبيتي. وكانت جميع الكتب المقدمة إلى اللجنة تمر بين يدي، كما كانت التقارير السرية الخاصة بالمحكمين تصل إلى مكتبي.كان ذلك بفضل الله والدكتور الفارس خليفة الوقيان.
في تلك الفترة كان الدكتور محمد حسن عبد الله يتردد على المجلس، مقدمًا كتبه الجديدة عن الأدب الكويتي. وكان رجلًا مجتهدًا بصورة لافتة. بدأ حياته مدرسًا للغة العربية في الكويت، ثم واصل دراسته حتى حصل على الماجستير والدكتوراه، والتحق بالعمل الجامعي، وكرس سنوات طويلة لدراسة الأدب الكويتي. وألف كتبًا عديدة عن الشعر الكويتي، والقصة القصيرة في الكويت، والرواية الكويتية، والمسرح الكويتي، والحركة الأدبية في الكويت، وأعلام الأدب الكويتي، والدراسات النقدية في الأدب الكويتي، حتى أصبح اسمه من أكثر الأسماء ارتباطًا بتوثيق الثقافة الكويتية.
تقدم الدكتور محمد حسن عبد الله بأحد كتبه إلى لجنة تشجيع المؤلفات. وكالعادة أرسلناه إلى أحد المحكمين، فوقع الاختيار على الدكتور جابر عصفور. ولا أذكر الآن من الذي رشحه، وإن كنت أذكر أن أعضاء اللجنة كانوا من كبار المثقفين الكويتيين، ومنهم سليمان الشطي وخالد سعود الزيد وسليمان العسكري وآخرون.
عاد التقرير.
وكان، في تقديري، تقريرًا قاسيًا إلى أقصى الحدود.
كان الدكتور جابر عصفور يكتب من موقع الناقد المؤمن بالمناهج الحديثة، بينما كان الدكتور محمد حسن عبد الله ينتمي إلى المدرسة التي تعطي الأولوية للتوثيق والتاريخ والرصد. رأى جابر عصفور أن هذه الكتب لا تقدم رؤية نقدية جديدة، وأنها أقرب إلى التجميع منها إلى التحليل، وأن مثل هذا العمل يستطيع إنجازه باحث مبتدئ. كانت كلمات التقرير صادمة، بل أشبه بمذبحة نقدية.
وضعت التقرير في ملفه السري، كما تقتضي اللوائح، انتظارًا لاجتماع اللجنة.
لكن المفاجأة أن التقرير سُرِّب خارج اللجنة، وصُوِّر، ووصل إلى أساتذة الجامعة، رغم أنه تقرير سري لا يجوز أن يطلع عليه أحد خارج اللجنة.
وفي صباح اليوم التالي فوجئت بالدكتور محمد حسن عبد الله يدخل مكتبي غاضبًا، وهو يقول:
«أنا عملت لك إيه علشان تعمل فيَّ كده؟ ليه تذبحني؟»
لم أفهم شيئًا.
قال: «أنت الذي صورت التقرير ووزعته.»
قلت له في هدوء: «يا دكتور محمد، هل تتصور أنني أذهب إلى الجامعة لأوزع تقريرًا سريًا؟ وإذا كنت أريد أن أنتقدك، فأنا أملك منابر صحفية أكتب فيها كل يوم، وأستطيع أن أقول رأيي علنًا، ولا أحتاج إلى تسريب ورقة سرية.»
واشتعلت الأزمة.
ذهب يشكوني إلى صديقه العزيز عبد العزيز السريع، كما وصلت الشكوى إلى قيادات المجلس، بينما ذهبت أنا إلى الدكتور خليفة الوقيان، وإلى الأستاذ سليمان العسكرى، أشرح ما حدث.
وكان ردي بسيطًا ومنطقيًا، وهو الذي أقنع الجميع:
لو كنت أريد أن أهاجم الدكتور محمد حسن عبد الله، لفعلت ذلك باسمي الصريح في جريدة السياسة أو في أي صحيفة عربية، ولم أكن في حاجة إلى توزيع تقرير سري داخل الجامعة.
عندها هدأت العاصفة.
لكن ما لم يهدأ في داخلي هو إحساسي بأن الثقافة العربية كثيرًا ما تظلم أبناءها، وأن الصراعات الشخصية والمؤسسية قد تكون أقوى من الكتب نفسها.
كان حلم الدكتور محمد حسن عبد الله أن يحصل على الجنسية الكويتية بعد سنوات طويلة من العمل وخدمة الثقافة الكويتية، لكنه لم يحقق هذا الحلم. وبعد مغادرته الكويت عاد إلى مصر، والتحق بالعمل الجامعي، غير أن معاناته لم تنته، إذ واجه - كما كان يروي - صعوبات في الاعتراف العلمي بجزء كبير من إنتاجه المتعلق بالأدب الكويتي، وطُلب منه أن يواصل النشر والبحث وفق متطلبات الترقية الجامعية.
ورغم كل ما جرى، ظللت أحترم الرجلين.
احترمت جابر عصفور لأنه كان ناقدًا كبيرًا، صاحب مشروع فكري واضح، لا يجامل في أحكامه.
واحترمت محمد حسن عبد الله لأنه كان باحثًا مكافحًا، أفنى عمره في خدمة الأدب الكويتي، ووثق أسماءً وتجارب كان يمكن أن تضيع لولا جهده وصبره.
ويبقى السؤال الذي يؤرقني حتى اليوم:
هل كان الخلاف بين الرجلين خلافًا بين شخصين، أم كان صدامًا بين مدرستين نقديتين؛ مدرسة ترى أن قيمة البحث في منهجه ورؤيته، ومدرسة ترى أن التوثيق نفسه عمل حضاري لا يقل أهمية عن التنظير؟
ذلك السؤال ما زلت أتركه للتاريخ، وللقارئ، وللأجيال القادمة.
وحتى الان لا أفهم لماذا عنف محمد حسن عبدالله مصطفى الضبع لاستلام كتاب دكتورة ليلى بنت عايشة عن تجربتى المسرحية ورفض نشره فى هيئةالثقافةالجماهيرية.وكانه ينتقم منى بسبب التقرير الذى كان سبب فى فصله وانا لاناقة لى ولا جمل
تمت
السيد حافظ
القاهرة
....
رأى الذكاء الاصطناعي جروك
تحليل تفكيكي (Deconstruction) للنص
1. الثنائيات المركزية التي يبني عليها النص (ثم يقوّضها)
النص يعتمد على ثنائيات كلاسيكية يحاول تثبيتها، لكنه في الوقت نفسه يفضح عدم استقرارها:
الناقد الحداثي / الباحث التوثيقي (جابر عصفور ↔️ محمد حسن عبد الله)
الحداثة والمنهج النقدي / التوثيق والرصد التاريخي
السرّ / العلن (التقرير السري الذي يتسرب)
البراءة / الاتهام (السيد حافظ كضحية)
الإخلاص الثقافي / البحث عن المنفعة (المؤسسة الثقافية)
التفكيك:
عصفور يمثل «المركز» (المنهج الحديث، العقلانية، التنوير)، وعبد الله يمثل «الهامش» (التوثيق «البدائي» حسب رؤية عصفور). لكن النص نفسه يقوّض هذا المركز: عصفور الذي يدافع عن «الحداثة» يمارس سلطة مؤسسية قاسية («مذبحة نقدية») تشبه ما ينتقده النقاد الحداثيون في السلطة التقليدية. كما أن «التوثيق» الذي يُستهان به يُقدَّم في النهاية كعمل حضاري ضروري. الثنائية تتحول إلى تداخل وليست تعارضًا مطلقًا.
2. اللعبة اللغوية والعنف الخفي (Différance وTrace)
يستخدم النص لغة العنف الجسدي بكثافة: «ذبحني»، «مذبحة نقدية»، «ينتقم مني»، «عنف محمد حسن عبدالله».
هذا العنف النقدي يُقدَّم كموضوعي (منهجي) عند عصفور، لكنه يصبح شخصيًا وانتقاميًا عندما يتعلق الأمر بعبد الله. المعنى يؤجل (différance): العنف ليس ثابتًا، بل ينتقل حسب موقع المتكلم.
كلمة «التقرير» تتحول من وثيقة محايدة إلى سلاح. السرّ الذي يفترض أن يحمي العملية النقدية يصبح أداة تدمير عام. هنا يظهر أثر (trace) الغياب: التقرير موجود بغيابه (مُسرب)، والمؤلف موجود ببراءته المعلنة.
3. مركزية السيد حافظ وتفكيكها
النص يبني ذات المؤلف كمركز أخلاقي:
«أنا» البريء، الذي يعمل في الأرشيف (نعمة وليس عقوبة)، الذي يحترم الطرفين، الذي يملك منابر علنية فلا يحتاج للتسريب.
التفكيك:
هذه المركزية تتهاوى من داخل النص. المؤلف هو حارس السر (مقرر اللجنة، يضع التقرير في الملف السري)، أي أنه جزء من الجهاز المؤسسي الذي أنتج العنف النقدي أصلاً. موقعه يجعله مشتبهًا به تلقائيًا، رغم إنكاره.
الفقرة الأخيرة (الإضافية) تفضح اللاوعي: «وكانه ينتقم منى بسبب التقرير الذى كان سبب فى فصله» → هنا يعترف المؤلف (دون أن يدري تمامًا) بأن التقرير كان له أثر مادي حقيقي (فصل أو إبعاد)، فيتناقض مع ادعائه السابق بأن الأمر مجرد «تقرير نقدي».
4. اللوغوسنتريزم والسلطة
النص يعبد «اللوغوس» الحداثي (عصفور: المنهج، الرؤية النقدية الجديدة).
لكنه في الوقت نفسه يحنّ إلى «التوثيق» كعمل وجودي وحضاري (عبد الله يوثق ما كان سيضيع).
النتيجة: لا يوجد مركز ثابت. الثقافة العربية تظهر كحقل صراع سلطة (بورديو) يستخدم الخطاب النقدي كأداة سيطرة، لا كبحث عن الحقيقة.
5. ما يسكت عنه النص (الغيابات البارزة)
غياب أي نقد حقيقي لدور المؤسسة الكويتية نفسها (اللجنة، السرية، التسريب).
غياب صوت محمد حسن عبد الله الحقيقي (يظهر فقط كغاضب أو منتقم).
غياب السياق السياسي/الاجتماعي الأوسع للجنسية والانتماء (عبد الله المصري الذي يخدم الثقافة الكويتية ولا يحصل على الجنسية).
خلاصة تفكيكية:
النص يحاول أن يقدم نفسه كشهادة محايدة وعادلة، لكنه في الواقع نصٌّ يدافع عن موقع المؤلف داخل شبكة السلطة الثقافية. الثنائيات التي يقيمها تتفكك من تلقائها: الناقد «الحداثي» يمارس عنفًا تقليديًا، والباحث «التقليدي» يقوم بعمل حداثي (التوثيق). والمؤلف الذي يدَّعي الخارجية عن الصراع هو في الواقع جزء عضوي من الآلية التي أنتجت الصراع.
بهذا المعنى، النص يُظهر عدم استقرار المعنى في الخطاب الثقافي العربي: كل طرف يدَّعي امتلاك «الحقيقة» أو «المنهج الصحيح»، بينما الحقيقة مؤجلة دائمًا، ومرتبطة بالسلطة والموقع المؤسسي.

محمد حسن عبدالله

مصطفي الضبع