مساحة إعلانية
المهمشون يتصدرون المشهد
دراسة بقلم : أحمد محمد حسن ( مراد )
الليل .. مبكى المهمشين ..
الليل هنا .. هو الرخ الذى يلقى بالشمس فى هوة المغيب لينفرد بالحضور, نازفا أو ناثرا كائناته البائسة مستمتعا بأوجاعها وأنينها . فى هذه الرواية , تواجهنا كائنات ليلية , أعتم الاحباط أرواحها وأ خرسها القهر وجلدها الحزن بأسواط الأنين والكأبة .. الليل هنا ينزف ضحاياه على امتداد ساعاته الثقيلة ( ثمة ثقوب تندلق منها خيوط غير مرئية تتأرجح بين الأرض والسماء تتناوب عليها الحكايات والأشباح صعودا وهبوطا. ص 30 ) هذا الليل .. تتعدد تأويلاته وتجلياته حتى ان " النوبى " أحد أ بطال العمل يقول ( كنت عائدا بصحبة الليل من أحد أفراح القرية ص30 ) بما يعنى أن الليل
قرين الأنسان فى بيئة الرواية , والذى يسكنه ولا يترك اثرا للفرح فى قلبه , فبمجرد عودته من الفرح , يغشاه الليل . وفى تأويل الليل المتربص يضيف النوبى( هو الأسود دائما لا يشف ,لا يجعل الآخر يكتشف عريه ص36 ) بينما يكتسب اللون مدلولا طبقيا عند " أم حياة " التى تعمل بسراية " ملك هانم " ( السواد الكونى يعنى فى العشش الطينية, الليل أما هنا فيدعى المساء ,الليل. ص 53. أوتاد لخيمة الحكى ... المنحوتات
نماذج بشرية متنوعة, نحتها قلم الكاتبة , هذه النماذج التى أفضل تسميتها بالمنحوتات تتتالى عبر الفصول لتغدوا أوتادا ترسخ خيمة الحكى , ومن هذه المنحوتات :
1-سرية ... طريدة الأشباح والخوف والقهر ..
سرية المرأة التى مات زوجها إثر تعرضه لضربة شمس أثناء عمله فى بناء السد العالى , فنذرت نفسها لعلاج ضربة الشمس , وأقسمت أمام مقام الشيخ على ذلك , بل عالجت "حياة " من خبطة الشمس . تروى سرية أن العفريت تبعها من عند البئر القديمة ( مصدر العفاريت ) وهى تفر وتستنجد وتبول على نفسها حتى اختفى العفريت فى المقابر , سرية الضحية والطريدة , لا ترحمها الأشباح حتى فى رقادها , ففى إ شارة الى الكابوس أو الجاثوم نقرأ ( تشكو سرية للنسوة جاراتها من تلك " الجتيمة " التى نبرك عليها طوال الليل وتكتم انفاسها , يسحبها الصباح من تحتها بمعجزة . ص 73 ) وكأن الأشياح التى تلاحق سرية فى وهمها , لا تكفيها شقاء, حتى تصطحب معها شبح حماتها الثقيل والتى طالت إ قامتها على عتبة البيت ناعية معددة على ولدها زوج سرية حتى هلكت , تروى سرية ( هذه العجوز هى همى ووجعى , فى هذا الليل القاسى تأتى لكى تجلدنى مع الأشباح , كانت تعاملنى بكراهية ظاهرة , تقول ( انتى فقرية وأكلتى ولدى . ص85 .) .
2-أم الخير...نموزج للمتحولين .
كانت أم الخير هانئة البال فى حياتها مع ابنها وزوجها أبو سعدى الذى سافر للعمل بالقاهرة فعمل بإحدى المقاهى وتزوج بصاحبته العاقر التى طلبت منه ألا يعود لأم الخير وأن يأتى بابنه سعدى ليعيشوا معا بالقاهرة, رضخ أبو سعدى لرأيها ونفذ طلبها, لتصحوا أم الخير صباحا فلا تجد ابنها ولا زوجها , لتهيم على وجهها سائلة عنهما فى الشوارع والبيوت وتنوح وتحلم بعودتهم حد الهلوسة , فتعد لهم الطعام وتشعل لمبة الجاز وتتزين لزوجها تتخطفها أحلام تصل بها الى حافة الجنون , فتبث النهار وجعها من خلال غنائها الباكى أو عديدها : يا سعدى أنا الأيام غلبتنى ...واتقلبت ويايا تعبتنى
يا سعدى أنا الأيام غالبانى .. واتقلبت ويايا تعبانى ص 16
لعل أم الخير هنا كانت ضحية سذاجتها وخضوعها , لذا لم تتحمل صدمتها بانهيار بيتها وفرار طيورها المؤنسة, فصارت فريسة للوحدة والليل يعبر عنها الشاهد التالى من الرواية ( كغراب ينتصب جسده الضامر فى بضع ريشات هزيلة ، تلوح لعينيه النهايات ، وقفت أم الخير بأسمالها السوداء على القرنة ، تلك الزاوية المرتفعة التى تفصل بين الأموات والأحياء ، ذراعاها مشدودتان فى الهواء ، تتمنى نبوءة مغاير وريشات قوية تحملان جسدها فى رحلة مثيرة للطيران لكى تلحق بسربها الذى تركها وحيدة هنا . ص15 ). ليعتريها التحول كما تشير الكاتبة أنها ( صارت شبحا من أشباح الليل أو عفريتا من عفاريت القيالة تتجول بين الخرائب وتسكن مع البومات . ص58 ) ويؤيد هذا التحول قول النوبى عن أم الخير ( الظلام نفسه كان يتخذها مسكنا له ص140 )، ( لقد كانت أم الخير شبحا كما تخيلتها تماما . ص140 ) .
3-هبابه .... دون كيشوت
أحد ضحايا أشباح الليل الموهومة ، ولد موفور الصحة فسمته أمه هبابه خشية الحسد ، كان يدرس الحقل ليفاجئه العفريت ويطارده حتى يصل بيته ، ويظل العفريت هاجسه المطارد له فيهذى ويستغرقه الخوف شهورا ويظل زائغ العينين فاقدا لمرحه المعهود ، ليعاود العفريت الموهوم العبث بهبابه وحمارته السائرين فى ضوء القمر ، ويخيل له أنه وحمارته طائران فى السماء ، ورغم انه لم يرتجف هذه المرة وخاطب العفريت بحدة وجسارة الا ان الخوف لا يفارقه ، فيعزو هبوب رياح الخماسين ( كما هو شائع فى التأويل العجائبى الشعبى ) إلى هذا العفريت أوصل القيالة الذى ( يسحب الشمس بقوته الخرافية تلك إلى عالمه السفلى ص154 ) فتعتم الظهيرة ، كما أنه يخسف القمر ويسود وجهه لتخرج المسيرة الطوافة بالحلل والجرادل مناشدو بوحشية الدق ولوعة الاستغا ثات ( يا بنات الحور ... سيبو القمر يدور . ص154 ) ، ( يارب اجليها اجليها، احنا عبيدك تحتيها . ص154 ) ويظل هبابه يدور فى فلك الصراع معى العفريت الذى يسعى للقضاء عليه ليكون بطلا مثل أبى زيد الهلالى ، فهو يسعى للفروسية والبطولة فى ساحة الوهم مذكرا ب ( دون كيشوت ) بطل رواية سرفانتس ، ولكن هبابه يسترد بعض تماسكه ويخاطب العفريت قائلا ( اعترف لك انك تفوقت عليا، بصراحة أنا خفت منك قوى ، لا يمكن أكتر من الخوف اللى كان فى قلبى ، الحمد الله ربنا شافانى منك ، الخوف عجنى وشكلنى فلقيت نفسى مش خايف منك .
ص 156)
حياة ... بنت الحياة
إبنة الحياة ، الحالمة أبدا رغم توالى الاحباط وحصار اليأس والبؤس والظلم عليها ،فهى لا تنفك تحلم .. حياة فتاة عاشقة للحرية ، يلهب عقلها الطموح .. تصاحب سناء ندتها ساكنة السراية أو سجينة الترف ، وكأنهما تستدفئان ببعضهما فى مواجهة زمهرير القهر والإكراه على الزواج بمن لا يليق ، فسناء ترفض الزواج بحسنين قريبها ابن الباشا حسين ، فالفتى العبيط وارث وقبيح الشكل أيضا ومع ذلك تكره سناء على الأ قتران فى النهاية بهذا الزوج فى إدانة لحرص الأسر فى الصعيد على زواج الأقارب حتى لا تتفتت الملكية كهدف أساسى ورئيسى فى الزواج ... حياة الثائرة الجريئة التى يتجنبها النساء لاعتراضهن على ملابسها وزينتها التى وهبت لها حاجتها سيدة السراية التى تعمل بها خادمة هى وامها ، يراود حسنين العبيط حياة عن نفسها فى غيط الذرة ، ليكتشفهم الأشقياء الصغار ويطاردونهما ، وتشيع القصة التى تنفر من الزواج بحياة بلا جريرة ، لتصرخ حياة ( ليه يعاملونى كده بالجفاء ده ، ماارتكبتش ذنب وأحتفظ بشرفى . ص31 ) حياة التى نجت بأعجوبة من ضربت شمس فصارت الشمس عدوتها الأبدية ، حتى أنها ( فى القرية تظهر حياة وقت الغروب وهى تتشفى فى الشمس التى تحتضر . ص23 ) تراود حلم تحققها وحريتها فى ضوء القمر أو اكتمال البدر الذى تسعى دوما لتحريره حتى لا ينفرد بها الليل الأسود ، فتقود أوركسترا الأطفال وهى تضرب على جردل وتغنى لانجلاء القمر من الخسوف برغبة قوية فى البكاء وكأنها تبغى تحرير وسطوع قمر روحها السجينة وبينما يمارس الصغار خارج البيوت ألعاب عسكر وحرامية والاستغمايه ، ترى اكتمال البدر يوم عرسها المنشود ( حالما تلقى بجسدها خارج عتبة الباب ، يتلقفها القمر ، ويجذب يديها ويأخذ فى مراقصتها ، تغيب فى شئ يشبه غيبوبة اللذة ، لا ترى ولا تسمع شيئا . ص75 ) وبينما هى تواصل حلمها بالرقص مع القمر ( قناع العريس ) يثور التراب ،فهل التراب يمثل معادل الموت الذى يقصف أو يئد الحلم ؟ تنتابها أحلام الزواج ، فتستلذ وهى تحكى لأخيها محمد قصة ست الحسن والشاطر حسن متقمصة ست الحسن بكامل حضورها الحميمى فى العلاقة الزوجية، تفر من حكايات أمها لتعانق ذكريات أحلام الصبا الفائرة فى مساء بعيد يؤجج مشاعرها فيه دعوت الكائنات للقاء الحميمى ممثلا فى خوار البقرة الشابة ونقيق الضفادع ووشوشة القصب عبر مشهد ليلى لتهمس لنفسها ( النها رده يوم الخميس ) هذا اليوم الذى يحمل لها إ حساسا بالسعادة الألم أيضا فهو يوم أجازتها من العمل ويوم زيجات القرية لتردد لنفسها الأهازيج ناعية بختها لعل حياة بتجلياتها العديدة ، تعد من أهم الذين ينحدرون من ثقوب الليل ، أو لعلها شاهد الحرمان والتهميش والنبذ للصدق الفطرى والنقاء .
النوبى ... البراوى ...
كائن ليلى ينحدر من ثقوب الليل ، عاشق سهر الليالى المتوحد بالليل وتوأمه المتجسد .. ابن بلاد النوبة النازح مع التهجير إلى القرية الجنوبية مسرح الأحداث ، ابن البرية الصارخ ، حر الحركة ومتمرد على قدره .. ولكنه لا يتحول الى ذئب ليلى ، يصنع مفردات يومه البسيطة ، يهرب الى الخيال معانقا مزماره ، يستحم فى الترعة تاركا جلبابه معلقا على شجرة الصفصاف ، أنامله الرشيقة ترتق جلبابه بمهارة وتعزف على المزمار ببراعة ولكنه سئ الحظ كما يردد ، ورغم أنه لا يخشى الليل لكنه يخشى غدر الليل ( رغم عشقى لليل إلا انى بأخاف مؤامراته . ص44 ) تتداعى على روح النوبى ذكريات الطفولة والصبا فى قريته النوبية ، لتحمله سفينة الحنين الجارف إلى حضن أمه المفقود ، تتنازعه المقارنة بين قريته النوبية القديمة وقريته الجنوبية الجديدة التى نزح عنها إلى الإسكندرية للعمل بها فتلاحقه صورة أمه ليترك عمله ويعود الى قريته حالما فى طريق عودته بالماضى والليل الجنوبى ببيوته الطينية التى يتصاعد دخانها مشكلا ماردا مرعبا محاطا بألوان الغروب والزرقة الداكنة فى إيحاء بالموت ،ويغمره فيضان الذكريات مستدعيا ذكريات التهجير يهيم على وجه ليلا ، يعدو لاهثا هاربا من حصار أحزانه نحو ماكينة الرى تحاصره روائح عطر زوجته الهانم الذى تطرده عقب كل لقاء ورائحة زيت المكنة النتن ، يفر ولا مقر ، فهو يبدو كقط برى هائم
( يعتلى النوبى طريقه على الترعة وسط الغيطان وقد تماهى مع المخلوقات الليلية . ص184 ) نتيجة للمعاناة القاسية ، يغدو النوبى واحدا من المتحولين بالرواية ليبدو فى نظر حياة كائنا خرافيا يهيم على وجهه بين ماكينة الرى والسراية ( الجسد المهترئ مثل عيدان البوص القديمة التى ضربها السوس ، بدأ يذوى ويأخذ هيئة الأشباح ص184 ) ليردد المهلهل صاحب دكان البقالة على مسمعه ( لاحول ولا قوة الا بالله ملعون أبو الحريم ص184 ) .
بخيتة .... رهينة حلم العودة :
بخيتة أم النوبى ذات الهوية النوبية الراسخة ، والتى سكنت القرية الجنوبية صحبة الجدة والأب والأم والإبن ،لا يغادر مسامعها الغناء النوبى ولا تبارح خيالها ملامح النوبة ولا تنفك تحلم بالعودة إلى النوبة .. بخيتة .. أخبرتها نويات البلح السبع أنها بسبيل سفر طويل ، فهذه النوايات رسائل السماء ، تداعب حلمها وذكرياتها وهى تعتصر نويات البلح بيدها ممزوجة بالحنين والعودة إلى بلاد النوبة ، ولكنها حينما ألقت النويات على الأرض
( كانت نويات البلح تغمس وجوهها فى التراب ، وتلك النبوءة قتلت لديها الأمل فى العودة إلى هناك .ص50 )
جدة النوبى ... شهرزاد أسطورية
تبعثر جدة النوبى حكاياتها على مسمع حفيدها ، بأداء حركى مؤثر وإيقاع صوتى آ سر فى حكايات تراثية ومعاصرة ، حكاياتها صرح تراثى أثرى شاهد لآلاف السنين بالعراقة والجدارة للجدة المصرية السامقة بحكاياتها وخبراتها التى تتمثل فيها سلطة التقاليد العشائرية والمجتمعية الراسخة ، كما تمثل الجدة الملاذ الآمن وشاطئ الأمل للمنحدرين منها شامخة فى سمت أسطورى يأخذ بلب النوبى فيراها فى إهاب مختلف ( أستدعى حياتها كقصة خرافية فلم يكن بين حكايات جدتى عن حياتها وتلك الحكايات الخرافية فاصل ، فقد كانت قصة حياتها تشبه أبطال قصصها . ص170 ) حتى يشك أنها ( نسيت جدتى نفسها فى إحدى حكاياتها . ص171 )، فهى تبدأ حكاياتها للنوبى ب( إ فتح ياسمسم )ثمة تبدأ طقوس حكيها التى يصفها النوبى هكذا ( تجحظ عين جدتى وهى تطير فى الغرفة ، أسأل نفسى ، هل تبحث عن الصناديق التى تخبئ فيها قصصها وتطلقها فى الظلام دائما كأرواح باحثة عن أجساد تتحقق بداخلها . ص171 ) .وكأنما هى باندورا الأسطورية التى أغواها الفضول ففتحت الصناديق التى حوت الشرور والآثام ، هذه الصناديق دونها أبواب تحاصر النوبى مثل صندوق حذاء عرسه وباب ماكينة الرى والتى تحاصره فيتوجس منها ( أصوات بداخلى تنادى علي وتمارس إغواءها لى أن أ فتح أبواب الحنين الموصدة فى قلبى . ص166 ).

أم حياة ... شهرزاد شعبية .. الحكاية تعويذة
يتقافز ديك المساء فوق الفرن الطيني ويصيح محاكيا ديك حكايات شهرزاد ألف ليلة وليلة ، ومرافقا لشهرزادات القرية : أم النوبى بخيتة وجدته ، وأم حياة التى يمثل الحكى عندها مقاوم الموت وتعويذة ضد الأرواح الشريرة فتقول ( بالحكى نقاوم الموت كشهرزاد تماما . ص144 ) ، ( المهم ألا نكف عن الحكى حتى لا ينفرد بنا الموت ص144 ) . تروى أم حياة حكاية زواج النوبى ب ( ملك هانم ) ساكنة السراية التى لما اختلى بها داهمته الخيبة وحل الفشل با للقاء المرتقب ، ففر النوبى ليهيم فى الكون المواسى ( وعوت الذئاب فى زراعات القصب ، وصاحت الديوك ، وناح الحمام فى أبراجه ، وصرخت الغربان فى أعشاشها وتقاتلت ، واشتاقت السماء لقمرها ليخلصها من العتمة لأن النجوم لم تقنعها ، فبكت من الحرقة والهزيمة والحرمان . ص144 ) .تبدو الحكايات تعويذة تؤنس الفقراء فى ليل الشتاء ، فتحكى أم حياة لابنتها حكاية "ست الحسن والشاطر حسن " التى تعد لها الكاتبة مسرحا ثريا بمفردات البساطة التى تستجدى الدفء من إيقاد الفرن الطيني بالبوص وفروع الصفصاف وروث الحيوان ، ومن اتخاذ ألبردة فرشا وغطاء ، وقد أحاطت بالأسرة ،العائلة الطيبة : حلة الطبيخ والزبادى الفخارية والدجاج والماعز والكانون والديك فوق الفرن ، كلهم فى مواجهة البرد الذى استغل خفوت النار ، لينهمر من الثقوب الفسيحة فى الثقف البوصى أو ينحدر من ثقوب الليل ليكتب فصلا آخر ا من معانات البسطاء .
تبدو الحكايات كالتعاويذ ( يحتمون بالحكايات كما لو كانت تعويذة طاردة للأرواح الشريرة التى تطل من شقوق الجدار الطيني . ص82 )كما يبلغ الخيال أوجه لما ( تتسع شقوق الجدار الطيني ويسقط السقف البوصى حفنة من القطط ، تنشب الأشباح القططية مخا لبها . ص82 )هاهى كائنات لا بشرية تنحدر من ثقوب الليل لتلعب دورها فى المشهد الليلى الحافل .
ملك .. الأرملة السوداء ... ميدوزا ...ازدواج الذات
ملك .. سيدة السراية .. المسيطرة كرجل .. هل تمثل كائنا مزدوجا ؟ ولعل هذا يبرر سلوكها فى علاقتها الحميمية بزوجها النوبى .. فهى التى تفرض زمان ومكان اللقاء بينهما حتى أنها تفرض عليه ارتداء البنطلون والقميص بدلا من الجلباب فى لقائها ، وتفرض عليه أن يدخل من باب الخدم ، فهى تفعل ما تشاء بالنوبى ، وتحلل الكاتبة هنا أبعاد العلاقة المعقدة بين النوبى وملك ، ليستشف القارئ كم العبثية والحميمية فى آن بين زوجين ، أحدهما على القمة والآخر عند السفح ومع هذا فهما يتلاحمان ولا يتلاحمان ، لأن الفارق الطبقى يظل فاصلا حادا . هى تبدو لعينى النوبى كالأرملة السوداء فى العناكب أو مثل ميدوزا الأسطورية التى تحجر نظرتها من تقع عليه عيناها ( بدت له تلك المرأة كساحرة شريرة ، كلما سقطت عيناها على رجل تحول الى حجر ص175__176 ) ملك قوية كما ترى أم حياة ( ست قوية خسارة مطلعتش راجل ص145 )
بينما يرى النوبى كيانا مقدسا ( كنت أود أن أسمع صوتها ،كنت أريد أن أقارن بين صوتها وصوتنا ،حركتها ،إشارتها، هل هى بشر مثلنا؟ أم هى شئ آخر غيرنا تماما ؟ ص106 )
ملك ، تلاعب نفسها الشطرنج على أنغام الفونوغراف فى محاولة للتغير بنظام حياتها الرتيب ، فتغير قواعد اللعبة بمنح القطع الصغيرة ( بيادق اللعبة ) القدرة على القفز فوق الرؤس الكبيرة والهيمنة ، وكأنها ترضى غرورها بالتحكم فى المصائر . ولذا ، يكون منطقيا أنها تتحول ولو على مستوى الخيال إلى كيان مزدوج ، تقول أم حياة ( ملك هانم نفسها انقلبت شبح ، كان الناس يشوفوا شبح لابس ملابس سودة ويعلق بندقية على كتفهه ويطوف بأرض الهانم ، الصدق الهانم هى الشبح . ص181 ) ، ( ماعرفتش تبقى راجل ولا بقيت زى الستات ص 181 )
القط البرى بين براثن النمرة
تتزوج ملك بالنوبى لتجمعها علاقة بطعم الجوع والغواية وسيطرة النمرة على القط البرى الذى يسمى هذه العلاقة الحميمية ب لعبة ( دوخينى يالمونة ) التى يمسك فيها أحدهما بأرجل زميلة ويدور به حتى يدوخ، عرضت عليه الزواج أو فرضت عليه الزواج ، يقول النوبى : ( وقالت أيضا بعد غروب الشمس ، تعنى فى الظلام ، أتكون كل هذه الحكاية لعبة مدبرة من الظلام ؟ ربما نكون أنا وبنى جلدتى قد سقطنا من ثقب قديم فى الليل . ص120 ) فى إشارة من الكاتبة إلى انحدار هؤلاء المهمشين من ثقوب الليل ، عنوان الرواية . تعرف ملك هانم أن حاجة النوبى إليها أشد من إرضاء رغبتها فيه ( لكن هو يقع تحت سلطة قلبة الذى لم ينطفئ فيه عشق الهانم ولو لحظة وذلك الشعور القديم بالرضوخ للسلطة ص176 ) . أو استعذاب العبودية . أخيرا ..تطرد النمرة القط البرى من جنتها ذات ليلة ، فيفر هاربا وتراه ام الخير فتندبه معددة : دنيا غرورة وكام دوارة ومشيت أنا مالقيت سنارة .
تجليات ليلية ...
ليل للأحزان والذكريات الموجعة يجثم فى حجرة الماكينة ، الطينية المعقودة بفلق النخل وهذه الحجرة مبيت النوبى بعد زواجه بملك صاحبة السراية ، فيظل يحشو التبغ فى ورق البفرة ليدخنه فى ليله الموجع . ( آه ياليلى الموجع ..ليل للموتى وللذكريات ندفن فيه أنفسنا وأحبابنا . ص88 )
الليل ... ملعب الجنيات ومملكة الرعب :
تستدعى الكاتبة عبر ذكريات النوبى ، الرعب الذى تمثله المرآة فى الليل والتى تغدو مقرا للجنيات ( أسأل ياجدتى لماذا تغطين المرايا ؟ فتجيب بأن الجنيات موجودات فى المرايا ومن ينظر فيها كثيرا تلبسه . ص168)
الليل ...أرض تنبت الأحزان والشقاء :
يبدو الليل فى الرواية كأرض شاسعة بلا حدود تنبت الأحزان أو تبعث أفاعيها من جحورها لتجلد النوبى وحياة وسرية وأم الخير وهبابه وحتى ملك هانم وأبطال آخرين يعانون سطوة الليل ينحدرون من ثقوبه أو يسقطون فى بحره .
ساحرة الحواديت .
بمكنسة ساحرة الحواديت ، تحلق الروائية \ رجاء عبد الحكيم فى آفاق الخيال مهيمنة على مملكة الليل الذى ترسم ملامحه ببلاغة . بعصا القلم .. تجوب بلاد القلق والأحزان لتقلب تربة النفس البشرية كاشفة عن كنوزها متعقبة جذورها . بقلم "المايسترو " تقود رجاء أوركسترا حافل وثرى بنبض الحياة والأ نين والضحكات والسخرية والتأوهات المتحسرة والأحلام المهاجرة ، تعزف رجاء على هذه الآلات الحية لتقطر أنغامها الشجية بحنكة المايسترو وحنان الأم .
حميمية إنسانية للكائنات :
احتشدت بيئة رواية ( من ثقوب الليل ينحدرون ) بالكائنات اللابشرية التى استفادت الكاتبة بإيحاءاتها وحميميتها ، فوظفتها فى روايتها مضفية عليها سمتا بشريا ، فأثرت السرد بحضورها الحميمى الأثير .
هذه التقنية أو الحيلة التشكيلية السردية تتجلى بمواقع عديدة بالرواية وتمثلها الفقرة التالي التى ترسم مشهدا لليل القرية الساكن فى عيون حياة إحدى بطلات الرواية ( انهمر الظلام قطعة واحدة بلا خيارات ، عزف صرصار الحقول ، وضاعف الضفدع الطبل ، واشتدت وشوشة عيدان القصب وتراقصت عرائس الذرة وهب نسيم منعش من المزروعات واقتحم صمتها الصاخب عواء الذئاب فى غيطان الذرة . ص23 ) .
كماتجلت هذه ( الأنسنة ) أو حميمية تعاطف الكائنات اللايشرية فى موقف مغادرة النوبى – أحدى أبطال الرواية – مهانا بعد لقائة بزوجته ملك هانم إلى مأواه بمقر ماكينة الرى بالإرتوازى ( يطير إلى الماكينة التى تأخذه فى حضنها وتربت عليه مواسية . ص179 ).
يتوالى تردد هذه التقنية التى تغدق الكاتبة ، بها على "النوبى " الجدير بالتعاطف لما يعانيه من ويلات متصلة
( ينصت الكون للحفيف الحزين والذى يبدو مطربا ومتلاحقا والذى تبثه رجلا النوبى الحافيتان والتى ينغرز فيها الحصى الجاف حيث تتغامز الأحجار بين يديه والتى يعاقب بها الفراغ ويقهقه الصمت ،وكانت الريح الواهنة تعافر للعبث بهذا الثوب الذى يرتديه والذى أثقلته الأوساخ . صوت ماكينة الارتوازى يضرب كقلب أجهده الحنين ،والماء ينساب ويروى حبه لعرائس الذرة ذات الشعور الحمراء والصفراء . ص183 ) . و( عندما حظى بالجلوس بجوار الهانم أول وآخر مرة فى يوم عرسهما ، أستنشق ثوبه من عطرها، عبّأه فى خياشيمه ، ربما تشعر الجمادات وتتنبّأ بما سيحدث لنا . ص186 ) .كما يتبدى حضور حميمية هذه الجمادات فى موقف آخر على لسان النوبى ( ربما ذلك العقار الذى كنت أحرسه فى الاسكندرية يفتقدنى ، يتحرق شوقا لذلك الشبح الصامت الذى يدور حوله ويشعره بأنفاسه المتعبة . ص100 ) .
ملامح لهوية بيئية ..
حفلت الرواية بشواهد معبرة عن هوية البيئة الجنوبية زمان الرواية بتجليات هذه الشواهد فى الزمان والمكان والانسان ومنها:
1-الاضاءة بلمبات الجاز ثم الكلوب ( حيث لما يهبط الظلام يشعل حسان حارس القصر الكلوب . ص111)،حتى تصل الكهرباء لتغزو القرية وتحررها من الضلام ( أعمدة من الحديد تنير من غير هباب مثل لمبة الجاز ص178 )
2-الرى بالمياه الجوفية ( الارتوازى ) بواسطة ماكينة الرى التى تمثل مع أبى قردان والنوبى ملمحا مميزا ( النوبى ينحدر مع هذه الماكينة التى قتلته حيا ص33 ).
3-مصادر طاقة بيئية :
تعرض الرواية لصناعة أقراص الجلّة من روث الحيوان التى تجففها حياة لتتخذها وقود الفرن الخبيز والكانون ومصدر للتدفئة . ص23)
4-المرحاض : أو حمام البيت الطيني أو محل الأدب كما كان يسمى أى دورة المياه لقضاء الحاجة والاستحمام بلوازمه : طشت الاستحمام الملئ بالماء الساخن بواسطة الكانون المشتعل بالبوص ، حجر الرحاية فوقه لوفة النخيل للدعك والصابونة .
5-كتاب تحفيظ القرآن :
نقل والد النوبى ، ابنه إلى كتاب الشيخ المهدى المجاور لدكان المهلهل البقال ، علق لوح الحفظ فى رقبته وقصد الكتاب العتيق وهو حجرة مفروشة بحصير الحلف وفى مقدمة البيت مصطبة طينية بحصير ووسادة يتكئ عليها الشيخ .
6-صناعات بيئية : صناعة المزمار الذى يبرع فيها النوبى ، فينتزع عودا من قصب الغاب ليجعله مزمارا يعزف عليه وهو يلاطفه قائلا ( هاديك حياة تانية ص24 . )
7-تصييف الحبوب :
التصييف هو جمع بقايا حبوب القمح المتناثرة على الأرض بعد الحصاد ، هذه المهمة اللاحقة بالحصاد والتى مارستها أم حياة فى صباها واشترت من عملها بها ثوبا سرقه اللص من على حبل الغسيل مما أورثها الحسرة تقول أم حياة (ثوبى المزين بالورد الأحمر، لسه حسرته فى قلبى ، كان حصيلة عملى طول الصيف والشمس قطعة من جهنب وأنا ألم بحرص سنابل القمح الباقية فى الأرض بعد الحصاد ، الأرض كانت خشنة جرحت رجليا مرات كتيرة وسال منها الدم ص146 ).
الغروب فى القرية ... المشهد الخالد
يمثل مشهد غروب الشمس وما يصاحبه من شجن يحاصر العائدين من الحقول بالتوتر والقلق والخوف المبهم ، وكأنه نذير بالموت الذى يمثله الليل الموشيك ،ولعل فى هذه الأحاسيس التى يثيرها الغروب أثر من التراث الفرعونى الذى كان يمثل فيه غروب الشمس معنى الموت فبنوا مقابرهم غرب النيل ، وهذا المشهد الغروبى القروى عبر عنه الشعراء والأدباء باستفاضة ،كما ترسمه هنا ريشة الكاتبة بوصف حافل يضع القارئ فى قلب المشهد الأثيرى ( الجميع هنا يهابون الغروب ، الليل يعنى ذلك العالم الأسود المخيف ، عالم الأشباح ، قوة الظلام الغاشمة التى لا سبيل لهم للوقوف أمامها ، لذلك يسابقون الشمس إلى دورهم ، لفظت الغيطان مافى جوفها فتهادوا على الطريق الوحيد الذى يبدو كحبل سرى يوصلهم بالقرية، يسوقهم الغروب أمامه كما لو كان سيلا يدفع أحجار الطريق يدحرجها على عجالة . ص17 ) .
هوية نوبية ... يؤرقها الحنين
ملامح هوية نوبية متعددة تتجلى فى سيرة النوبى وأمه بخيتة ، ملامح تستخرجها رجاء عبد الحكيم من فيضان ذكريات النوبى الساعى إلى انقاذ هويته (روحه ) ، الذكريات التى تثيرها أشجار السنط ب زرازيرها يصاحبها مديح الجدة فى حب النبى والتى تتشكل فيها ملامح الجدة النوبية التى تصبغ شعرها الطويل وأصابعها بالحناء السوداء وتقول ( عشق أزلى بيننا وبين كل ماهو أسود . ص121 ) كما يعبر النوبى عن قلقه على فقد هويته جراء اقتلاعهم من المنشأ أو الجزور بسب الفيضان ( فى هذه اللحظة اجبرنا الماء أن نعانق الفراغ ،أن تتوه منا وجوهنا ،وأن يتبعثر لوننا الأسود كشارة لذلك الحزن الأبدى .ص167 ) ولما انتقلوا للبيت الطيني فى المقر الجديد راحت الجدة تسد شقوق الجدران بقطع الطين خوفا من (الدبيب ) ويعلق النوبى ( الحكيم ) : ولكن لم أرى هنا أى منفذ لمرور حشرة ضئيلة ، كنت أفهم جدتى ، هى كانت تسعى إلى سد أبواب الحنين حتى لا تجد مكانا فارغا فيتسلل إلى قلبها من خلاله .ص122 ) تتداعى ذكريات النوبى فى طفولته الكاشفة عن هوية طفل جنوبى ، تقليدية الملامح : النبلة الحديد ذات الأستك لصيد الزرازير والتى يتطرف صاحبها لقذف الناس بحجر النبلة عابثا بهم ، وكذلك تلقى الذكريات إلى حسن بائع الحلوى ( حلاوة حاللى )والتى يقايضها بسبلة أى مخلفات الحمام مناديا 0 حلوى بزبل الحمام . ص127 ) يكتسح فيضان الحنين روح النوبى حتى أنه يصنع طائرة ورقية ليحمل عليها جدته إلى قريتهم فى بلاد النوبة .
قص داخل القص ....
تتميز رواية ( من ثقوب الليل ينحدرون ) للأديبة \ رجاء عبد الحكيم ، بالثراء فى الحكى حتى أنها تزخر بالعديد من المواقف والقصص الفرعية والتى يمكن تعريفها بأنها قصص داخل الرواية أو قص داخل القص دون علاقة بين تقنية السرد هنا وتقنية السرد فى بعض حكايات ألف ليلة وليلة التى اعتمدت على توليد الحكايات بداخل القصة الأصلية أو ببساطة حكاية من داخل حكاية ، لأننا فى الرواية بصدد أقاصيص من ذكريات دعى إليها الحدث ، ولذا فقد اخترت عناوين مبتكرة معبرة عن الحدث:
الحرية لا الخبز :
فى حوار سناء مع حياة، تذكر سناء أنها لما أصرت وهى صغيرة على الذهاب إلى حظيرة الماشية مع الخادمة التى ألقت للحمارة حزمة برسيم ولكن الحمارة تسللت هاربة من باب الحظيرة المفتوح مفضلة الحرية على القوت .
الحياة داخل مقبرة :
تتذكر حياة فى زيارتها أيام طفولتها لصديقتها سناء قاطنة السراية ، وهى تشاهد صور اقارب سناء على الجدران ،فتحس أن السرايات بلا حياة وساكنوها أو المعلقون على جدرانها محنطون وأن السرايات أضرحة موتى الأغنياء التى تهيمن عليها الوحدة والبرد القارس ، فيدفعها الحنين إلى بيتها الطيني الدافئ بالحياة ، فقد احست بالاختناق من حصار صور الموتى التى تشعرها كأنها تحتضر لتعلق معهم ،وهذا الموقف يمثل قصة معبرة عن حميمية المكان ،مصوغة بصدق وفن .ص112.
واحدة بواحدة :
من حكايات الليل ، تروى أم حياة حكاية زوجها الذى حرمه حسين باشا أجره من العمل فى أرضة ،فخطف الرجل ، كيس اللحم من يد حسنين ابن الباشا ، وسلم اللحم لزوجته وأمرها بطهيه فورا ،فلما جاء الباشا ورجاله لاسترداد اللحم ، وجدوه فى القدر الفخارى يغلى فوق موقد الكانون ، فانصرفوا .ص41 .
شغوفة بالوصف :
ملمح بارز بالرواية وهو الشغف بالوصف الذى يتسم بلغة شعرية عذية فى مشهدية حافلة بمفرادات حياة القرية وثرائها وتراثها ، تقدم رجاء عبد الحكيم " ملعب روايتها "ص8 ، لتواصل سرد المخاوف والأحلام والطقوس الحياتية التى يكتنفها الظلام (عندما يرفع أذان العشاء فى جامع القرية الطيني تكون طبقة الظلام قد صارت شديدة السمك كرداء شديد السواد .ص14 )ف ( هنا تسكن المخاوف التى يسمع صوتها وهى تعدو فى الطرقات بعد ما منيت الشمس بهزيمة ساحقة أمام جيوش الليل .ص14 ) لتتداخل أصوات الحيوانات والطيور وعيدان النباتات والأشباح لتعزف ( سيمفونية ليل قروى ) يقاوم الظلام أوتابلوه غناء يسعى للانتصار على الظلام . هذا الشغف بالوصف يغمر الرواية بعذوبة مذاقة ،لنقرأ (تلكأت بقايا النهار وهى تفر قطعة قطعة مماطلة فى أن تخلى موقعها للظلام القادم .ص51 ) وفى مشهد رحيل النوبى عن قريته ، معبرا عن إحساسه بالمطاردة ،نقرأ ( ركض أمام عينى قطيع من الغيوم السوداء تتخللها خيوط ناصعة البياض تشكل صورا لحيوانات وطيور تهرول فى صفحة السماء ، كما لوكان هناك من يطاردها .ص65 ) ويواصل ، متحسرا على ذكرياته المفقودة والغالية ( محتمل أن يكون ذلك الغيم الذى يبدو لى نقيا أبيض كالقطن ، ربما خاننا وبكى فى مكان ما فتساقطت من جوفه حكاياتنا ،اختلطت بطين الأرض ،صارت وحلا، وأنا مجرد ضفدع يلقى بنفسه فى البرك .ص66 ) .
المعتقد الشعبى من ملامح الهوية :
ترصد رواية ( من ثقوب الليل ينحدرون ) الكثير من المعتقد الشعبى بوصفة ملمحا معبرا عن الهوية المجتمعية ، ك ( البئر ا لقديمة ) التى تمثل مصدرا للرعب من العفاريت المتوهمة ، لما يلقى فيها من ملابس القتلى ، ولذ فأن الرجال يتلون القرآن عند مرورهم بها . يتصل بهذا ، الاعتقاد فى (عفريت القيالة ) الذى يتقمص دوامة الهواء الساخن فى الظهيرة ،متخذا شكل قرطاس متجه لأعلى حاملا معه ما على الأرض من ورق وأعواد وتراب كثيف ، فهذا (العفريت ) هو التأويل الشعبى للعواصف الخماسينية الموسمية الترابية ،وهذا العفريت فى مناطق أخرى ب (ضل القيالة )
_ يتصل بالاعتقاد التراثى الشعبى فى عفريت أو فى ضل القيالة ،الاعتقاد فى دخول الجن جسم الانسان ، والمسمى (لبس الجن ) والذى يمثلة خطاب (هبايه ) إلى العفريت الموهوم ( رميت الصبح السلام على (مندوه) اللى خد الترعة سكن له ، قعدت جنبه لقيته بيكلم الجنية اللى سكن معاها ع الترعة ، طبعا إنت عملت قدامه كأنك ست ، البلد كلها تخاف تقرب من مندوه عشان متلبسهمش الجنية وتسكن جسمهم زى مالبسته وسكنت جسمه . ص77 ، 78 )
_. الاعتقاد فى كرامات الأولياء ،والذى يبلغ أحيانا حد المبالغة أو العجائبية عند البعض ، تروى حياة ل سناء ساكنة السراية ( بعد صلاة الجنازة عليه ، طار عبد الصبور بنعشه ، والبلد كلها حريم ورجالة وأطفال تطير وراه ، وانقلبت جنازته لعرس ،وزغردت النسوان وكبر الرجال وتراقص الصغار . ص21 ) .
_ ومن المعتقد النوبى الشعبى ،القول المأثور عن أن من يشرب اللبن من يد عزيز عليه يرجع له ،فقد شرب النوبى ، اللبن والتهم بعض التمر من يد أمه بخيتة فى قريته النوبية البعيدة ، تأهبا للسفر للعمل بالإسكندرية ( قالت للنوبى ولدها : خد يانوبى ،اشرب اللبن ده علشان ترجعلى تانى .ص62 ).
_ ومن المعتقد الشعبى : الاعتقاد بالنبوءة أو الفأل ،والتى تعبر عنها الموقف التالى ( لازمت بخيتة دغدغة فى راحة يدها اليمنى لأيام ، فأيقنت أنها ستصافح عزيزا ، أكدت نبوءتها نويات البلح السبع التى التقطتها من تحت وسادتها وعرضتها لأشعة الشمس فوجدت النويات تلتقى فى عناق أشعرها بالرضا فنامت ليلتها سعيدة لأول مرة ، ص74 ) .
-الاعتقاد فى حارس الكنز أو ( الرصد ):
فى رحلة النوبى بعمله بالإسكندرية ، يلتقى بالنوبيين الناجين من الفيضان ويتسلم عمله حارسا لإحدى البنايات ، وكأن هذا العمل بات قدر النوبى الذى يلاحقه منذ كان حارسا لجبانات الفراعنة بجسمه الأبنوس اللون الذى تنعكس عليه أشعة الشمس الذهبية ، فيقذفه الصغار بالأحجار لاعتقادهم أنه الرصد الذى لو قذف باى حصاة أو بحجر أو بأى شئ ، يسقط ميتا أو يختفى وينفتح كنز الذهب.
وبعد ....يظل العمل الأدبى الثرى فضفاضا عن قلم الناقد مهما قرأه وأضاءه واستكشفه .
