مساحة إعلانية
إلى زميل العمر ورفيق الدرب عفيف بشارة في يوم مولده السعيد، متمنياً له العمر المديد والصحة الوافرة.. وإلى كل الأهل والأنقياء، والأصدقاء الأوفياء في محافظتى التي اعشقها دمياط العريقة، الذين يثبتون يوماً بعد يوم أن الأخوة لا تولد بالدم وحده، بل تصنعها المواقف وتصقلها الأيام .. إليكم جميعاً أهدي هذه الكلمات الحية من نبض شوارعنا ومشاعرنا ومواقفنا في الحياة
فالمواطنة المصرية ليست حبراً على ورق الدساتير، ولا موادَّ صمَّاء تُتلى في قاعات المحاكم؛ بل هي نبضٌ يجري في عروق التاريخ، وقيمةٌ حيّة تولد مع كل فجر في تفاصيل حياتنا اليومية. هي تلك الروح التي تلمسها في مودة الجيرة، وإخلاص العمل، وشغف التعليم، وفي تلك السواعد الفتية التي تبني وتعمر، والقلوب اليقظة التي تحرس أمن هذا الوطن واستقراره. إنها العهد غير المكتوب بين أبناء النيل، والرباط المقدس الذي يُثبت أن مصريتنا ممارسة نعيشها، لا نصوصاً نقرأها. وكما قال أمير الشعراء أحمد شوقي مضحياً بكل شيء لأجلها
وَطَني لَو شُغِلتُ بِالخُلدِ عَنهُ ... نازَعَتني إِلَيهِ في الخُلدِ نَفسي
وإذا أردت أن ترى هذه المواطنة متجسدة في أبهى صورها الحية، فلا تحتاج للنظر في شعارات رنانة، بل يكفيك أن تتأمل تفاصيل يومك العادي؛ هناك في مدينة دمياط الباسلة، حيث تنبض مصر الحقيقية في كل زاوية وموقف. ففي كل حدث تشهده المدينة، سواء كان اجتماعياً أو شخصياً أو وطنياً، تجد أبونا بندليمون حاضراً بروحه الأبوية ، ومعه صديقي العزيز ماهر وليم يداً بيد، يتقاسمان مع الجميع اللحظة بصدق ومحبة تعكس جوهر هذا الشعب. وفي غمرة هذه الأحداث، أجد شاشة هاتفي تضيء بمكالمة من صديقي إسحاق روحي، وهو يطالبني بكلماتي ومقالي، في دفعٍ أبوي لا ينقطع نحو النجاح. ثم ينتهي بي المطاف لأرتشف فنجان قهوتي في محل صديقي الأستاذ أشرف للفضيات في شارع النقراشي العريق، وسط أجواء تملؤها الألفة والدفء.
إن هذه المشاهد اليومية ليست مجرد مجاملات عابرة، بل هي مواقف محفورة في وجدان العمر؛ فلن أنسى أبداً وقوفهم الصادق والنبيل معي في محنة وفاة والدتي الغالية، وحرصهم على تقديم واجب العزاء ومواساتي في مصابي، في تلاحم إنساني يُثبت أننا عائلة واحدة يتألم كل جسد فيها لألم الآخر. وتلك الإنسانية الفطرية تتخطى حدود المعارف والمقربين لتصبح نهج حياة؛ حيث يمكنك أن ترى أبونا بندليمون كل يوم وهو يقف بنفسه ليسقي المرضى والمترددين على مستشفى الأورام الماء المثلج في حرير الأيام، مخففاً عنهم وطأة المرض والتعب بابتسامة ومحبة وعطاء غير مشروط. هذه هي دمياط التي نعرفها، ونعيش تفاصيلها، ونتعامل بها يومياً؛ لا فوارق بيننا، بل نذوب جميعاً في تفاصيل العلاقات الإنسانية والمواقف النبيلة، لنشكل معاً لوحة فريدة من التلاحم والعيش المشترك.
إن هذا التلاحم الدمياطي الأصيل هو المحرك الخفي لقطار الحياة الاجتماعية في مصر كلها. تراها جليّة في "بيت العيلة" الكبير الذي يجمعنا؛ تراها في الجار الذي يسند جاره قبل أن يطلب، وفي الشارع الذي يتقاسم فيه الجميع الفرحة والحزن. وتتجلى هذه القيمة داخل فصول الدراسة حيث يتعلم الأبناء أن تراب مصر واحد، وفي ميادين العمل حيث تتحد السواعد لبناء الاقتصاد وتشييد المستقبل. إنها الشراكة الحقيقية في التنمية، والمسؤولية الجماعية لحماية المقدرات وصون الأمن القومي؛ فالكل في خندق واحد لحماية هذه الأرض، انطلاقاً من حقيقة راسخة عبر عنها قداسة البابا شنودة الثالث بقوله الخالد: "مصر ليست وطناً نعيش فيه، بل هي وطن يعيش فينا".في الختام، تبقى المواطنة المصرية هي الحصن المنيع والرباط المقدس الذي يجمعنا فوق أرض الكنانة. إنها ليست مجرد شعار نرفعه، بل هي أمانة الأجداد ومستقبل الأبناء، تتجسد في كل تضحية لأجل أمن الوطن، وكل جهد يُبذل في سبيل رفعة اسمه. ومهما تعاقبت الأزمان وتغيرت الظروف، يظل مصيرنا واحداً وهدفنا واحداً؛ لنؤكد للعالم أجمع أن قوة مصر لم تكن يوماً في حدودها الجغرافية فحسب، بل في قلوب أبنائها الذين يحيون بالمواطنة ممارسةً وعقيدة، لتبقى مصر دائماً وأبداً وطناً عزيزاً، آمناً، ومستقراً، مصداقاً لقول الحق تبارك وتعالى: "ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ".