مساحة إعلانية
ليس أخطر ما يواجه الأوطان الفقر، ولا الأزمات الاقتصادية، ولا حتى الاضطرابات السياسية؛ فهذه جميعًا نتائج لأزمة أعمق، هي أزمة الوعي. وإذا كان الوعي هو خط الدفاع الأول عن المجتمع، فإن المثقف هو حارسه الأول، والأمين على بنائه، والضمير الذي لا ينبغي أن ينام.
من هنا يبرز السؤال المؤلم: إذا انشغل الأدباء، والشعراء، والمفكرون بمعاركهم الصغيرة، فما الذي تركوه للعامة؟
ومن يتولى تقويم الوعي الجمعي إذا غاب من يفترض أنهم رواده؟
إن قيمة الأديب لا تُقاس بغزارة إنتاجه، ولا بعدد المتابعين، ولا بما يحصده من تصفيق، وإنما بما يحدثه من أثر في ضمير الإنسان.
فالكلمة ليست زينة لغوية، بل مسؤولية أخلاقية وفكرية، والقلم ليس وسيلة للشهرة، بل أداة لبناء الإنسان ومواجهة الزيف.
لقد شهد التاريخ أن النهضات الكبرى لم تبدأ بالسلاح، بل بدأت بفكرة، ولم تُصنع بالضجيج، بل بالكلمة الحرة التي امتلكت شجاعة مواجهة المألوف، ونقد الانحراف، والدفاع عن الحقيقة مهما كانت كلفتها.
ولذلك كان المثقف الحقيقي دائمًا سابقًا لعصره، لا تابعًا له، يقود الذوق العام ولا ينقاد إليه، ويصنع الأسئلة قبل أن يوزع الإجابات.
غير أن المشهد الثقافي اليوم يكشف مفارقة مؤلمة؛ فبينما تتكاثر المنابر، يتراجع الخطاب.
وبينما تتسع دوائر النشر، يضيق أفق الرسالة.
وتحولت بعض الساحات الثقافية إلى فضاءات للمجاملات، وتصفية الحسابات، والبحث عن الألقاب، حتى غدا الحديث عن القيم الكبرى استثناءً، لا قاعدة.
وحين تتخلى النخبة عن دورها، لا يبقى الفراغ خاليًا؛ إذ يملؤه كل من يجيد الصراخ أكثر من التفكير، وكل من يملك منبرًا دون أن يملك مشروعًا، فتختلط المعرفة بالادعاء، والنقد بالتجريح، والحرية بالفوضى، ويصبح الرأي غير المؤسس مساويًا للمعرفة الرصينة.
إن المثقف ليس وصيًا على المجتمع، لكنه مسؤول أمامه. ومسؤوليته لا تتمثل في فرض الأفكار، بل في تنمية القدرة على التفكير، وإحياء قيمة السؤال، وترسيخ ثقافة الحوار، ومقاومة الجهل والتعصب والتسطيح. فوظيفة الثقافة ليست إنتاج النخبة، بل إنتاج الإنسان الواعي.
وليس المطلوب من الأديب أن يتحول إلى خطيب، ولا من الشاعر أن يهجر الجمال، ولا من المفكر أن يدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة؛ وإنما المطلوب ألا يتنازل أي منهم عن رسالته الأساسية: أن يكون صوتًا للعقل حين يعلو الضجيج، ولسانًا للحقيقة حين تنتشر الأوهام، وضميرًا حيًا حين يغري الصمت.
فالأمم لا تنهار عندما يقل عدد مثقفيها، بل عندما يتخلون عن دورهم التاريخي، ويصبح همّهم المحافظة على مواقعهم أكثر من المحافظة على رسالة الفكر.
وعندئذ لا يكون سقوط الثقافة حدثًا معزولًا، بل مقدمة لسقوط منظومة القيم كلها.
إن الأجيال القادمة لن تسألنا: كم كتابًا كتبنا؟
ولا كم ندوة عقدنا؟
بل ستسأل: ماذا فعلت أقلامكم حين كان الوعي يتعرض للتشويه؟
وأين كانت أصواتكم حين تمدد الجهل، وارتفعت الرداءة، واختلطت القيم؟
ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يؤرق كل صاحب قلم، لأنه السؤال الذي يحدد القيمة الحقيقية للمثقف، ويمنح الكلمة معناها، ويجعل الأدب رسالة، لا مجرد مهنة، والفكر مسؤولية، لا مجرد ترف ذهني.