مساحة إعلانية
"كنتُ أريد أن أكتب بقوةٍ حتى يعرف العالم أن جُرح غزة ما زال مفتوحًا!"
ليست الكتابة ترفًا لغويًا، ولا لعبةً من ألعاب البلاغة، وإنما هي في لحظات الألم الكبرى شهادةٌ على العصر، ومحاولةٌ لإنقاذ ما تبقى من إنسانية الإنسان. فحين يقول كاتب: "كنتُ أريد أن أكتب بقوةٍ حتى يعرف العالم أن جُرح غزة ما زال مفتوحًا!"، فإنه لا يبحث عن عبارة جميلة، بل يعلن عجز اللغة أمام مأساةٍ تجاوزت حدود الوصف.
لقد كانت الكلمة، عبر التاريخ، أكثر الأسلحة قدرةً على مقاومة النسيان. كم من مدينةٍ اندثرت وبقيت حيةً في الكتب، وكم من مظلومٍ لم يجد من ينصره إلا قلمًا صادقًا دوَّن حكايته.
ولهذا فإن الكتابة عن غزة ليست موقفًا سياسيًا فحسب، بل هي موقفٌ أخلاقي وثقافي وإنساني، لأنها تحفظ ذاكرة الألم من أن تتحول إلى خبرٍ عابر أو رقمٍ في نشرات الأخبار.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب المآسي هو الاعتياد عليها. فمع تكرار الصور والأخبار، يخشى الإنسان أن يفقد حساسيته تجاه الألم، وكأن الدم يصبح مشهدًا مألوفًا.
وهنا يأتي دور الأدب؛ ليعيد للوجع وجهه الإنساني، ويمنح الضحايا أسماءً وذكريات وأحلامًا، بدل أن يختزلهم في الإحصاءات.
فالقصيدة، والقصة، والرواية، والمقال، ليست مجرد نصوص تُقرأ، وإنما هي وثائق ضمير، ترفض أن تسمح للنسيان بأن ينتصر.
الكاتب الحقيقي لا يستطيع أن يقف محايدًا أمام المأساة، لأن الحياد أمام الألم لونٌ من ألوان الصمت، والصمت في مثل هذه اللحظات قد يكون شريكًا في استمرار المأساة.
ومع ذلك، فإن الكتابة الصادقة لا تتاجر بالأوجاع، ولا تستثمر الدماء في صناعة الشهرة.
إنها تكتب باحترامٍ للإنسان، وبإيمانٍ بأن الكلمة قد لا توقف حربًا، لكنها تستطيع أن تمنع الكذب من أن يصبح الحقيقة الوحيدة، وأن تحفظ للتاريخ روايته الإنسانية.
سيظل جرح غزة مفتوحًا ما دامت آثاره باقيةً في القلوب والبيوت والذاكرة. وستظل الكلمة الصادقة تؤدي رسالتها، لا لأنها أقوى من السلاح، بل لأنها أبقى منه. فالسلاح يصنع الخراب، أما الكلمة فتصنع الوعي، والوعي هو الخطوة الأولى نحو العدالة.
ولهذا، فإن مسؤولية المثقف اليوم ليست أن يكتب أكثر، بل أن يكتب أصدق، وأن يجعل من قلمه شاهدًا على الحقيقة، لا تابعًا للضجيج. فالأدب الذي ينحاز إلى الإنسان يبقى، أما الأدب الذي يساير اللحظة فإنه يذوب بانتهاء صخبها.
إن الجراح قد تلتئم يومًا، لكن الذاكرة لا ينبغي أن تُشفى من واجبها في التذكر. ولذلك ستظل الكتابة، في أسمى صورها، فعلًا من أفعال الوفاء للإنسان، وانتصارًا للحقيقة، وإيمانًا بأن الكلمة الصادقة تستطيع أن تُبقي الضمير يقظًا، مهما حاول العالم أن يصرف نظره عن الألم.