مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

الشاعر حسن غريب يكتب : الإعلام بين الرسالة والضجيج... من يصنع وعي المصريين؟

2026-07-23 05:13 PM  - 
الشاعر حسن غريب يكتب : الإعلام بين الرسالة والضجيج... من يصنع وعي المصريين؟
الكاتب والناقد حسن غريب أحمد - العريش

لم يعد الإعلام في العصر الحديث مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل أصبح أحد أهم أدوات تشكيل الوعي الجمعي، وصناعة الرأي العام، وتحديد أولويات المجتمع. فالكلمة التي تُقال على الشاشة، والصورة التي تُعرض، والخبر الذي يُبث، كلها تمتلك قدرة هائلة على التأثير في العقول والقلوب، وقد تبني أمة أو تساهم في هدم منظومة قيمها إذا أسيء استخدامها.

ولعل السؤال الذي طرحته الإعلامية القديرة أميمة نظمي: "ماذا حدث للإعلام المصري؟" ليس سؤالًا عابرًا، بل هو دعوة جادة لمراجعة الذات، والوقوف أمام مرآة الحقيقة.

لقد كان الإعلام المصري، في مراحل كثيرة من تاريخه، مدرسة مهنية صنعت رموزًا ما زالت أسماؤهم محفورة في ذاكرة الأجيال. كان يقدم الخبر بدقة، والبرنامج بهدف، والدراما برسالة، والحوار باحترام للعقل والمشاهد. أما اليوم، فقد أصبحت المنافسة في كثير من الأحيان قائمة على الإثارة، والسبق بأي ثمن، والضجيج الذي يطغى على المضمون.

إن أخطر ما يواجه الإعلام ليس تراجع نسب المشاهدة، وإنما تراجع الثقة. فحين يفقد المواطن ثقته فيما يسمع ويرى، يبحث عن مصادر أخرى قد تكون أكثر تضليلًا وخطورة، فتنتشر الشائعات، وتختلط الحقيقة بالوهم، ويصبح الرأي الشخصي بديلًا عن المعلومة الموثقة.

ولا يمكن إنكار أن الإعلام يواجه تحديات غير مسبوقة في ظل الثورة الرقمية ومنصات التواصل الاجتماعي، حيث أصبح كل شخص قادرًا على نشر ما يشاء في ثوانٍ. لكن هذا لا يعفي المؤسسات الإعلامية من مسؤوليتها في الحفاظ على المهنية، والالتزام بأخلاقيات العمل الصحفي، واحترام عقل الجمهور.

إن الإعلام الحقيقي لا يصنع نجومًا من الفراغ، ولا يلهث خلف التريند، بل يصنع وعيًا، ويغرس قيم الانتماء، ويكشف الفساد، ويناقش قضايا الناس بصدق، ويمنح أصحاب الفكر والعلم والثقافة مساحة تليق بدورهم في بناء المجتمع.

إن مصر، بتاريخها وثقلها الحضاري، تستحق إعلامًا يعكس مكانتها، إعلامًا يوازن بين حرية الرأي والمسؤولية، وبين المنافسة والمهنية، وبين الجذب والرسالة. فالمجتمعات لا تنهض بالضجيج، وإنما ترتقي بالكلمة الصادقة، والمعلومة الدقيقة، والحوار الراقي.

ويبقى السؤال مطروحًا أمام كل العاملين في الحقل الإعلامي: هل نريد إعلامًا يكتفي بجذب المشاهدات، أم إعلامًا يبني الإنسان؟ فالإجابة عن هذا السؤال ستحدد شكل الوعي الذي سيحمله الجيل القادم، لأن الإعلام ليس مجرد شاشة تُشاهد، بل هو مرآة المجتمع، وصانع مستقبله.

 

مساحة إعلانية