مساحة إعلانية

منبر

قضايانا

الحياة الخاصة للموظف وحدود المساءلة التأديبية

2026-05-29 01:30 PM  - 
الحياة الخاصة للموظف وحدود المساءلة التأديبية
صابر سكر

تقرير/ صابر جمعه سكر 
يثور التساؤل دائمًا حول مدى أحقية جهة الإدارة في مساءلة الموظف تأديبيًا عن أفعال ارتكبها خارج نطاق عمله الوظيفي، وهل تمتد رقابة الوظيفة العامة إلى الحياة الخاصة للعامل أم أن هناك حدودًا فاصلة بين المجالين؟
أحكام المحكمة الإدارية العليا حسمت هذه الإشكالية عبر مبدأ واضح مؤداه أن الموظف العام لا ينفصل عن وظيفته بصورة كاملة خارج ساعات العمل، غير أن مساءلته تأديبيًا تظل مرتبطة بمدى تأثير سلوكه الخاص على كرامة الوظيفة العامة والثقة الواجبة فيها.
وأكدت المحكمة الإدارية العليا في العديد من أحكامها أن المخالفة التأديبية لا تقتصر على الإخلال المباشر بواجبات الوظيفة، بل تمتد كذلك إلى كل سلوك معيب ينال من شرف الموظف أو أمانته أو حسن سمعته أو يمس كرامة الوظيفة وهيبتها، باعتبار أن سلوك الموظف خارج مقر العمل ينعكس بالضرورة على صورة المرفق العام وثقة المواطنين فيه.
وفي هذا السياق، قررت المحكمة أن الحياة الخاصة للموظف ليست بمعزل كامل عن مقتضيات الوظيفة العامة، وأن العامل مطالب دائمًا بأن يلتزم سلوكًا يتفق مع طبيعة الوظيفة التي يشغلها، وألا يأتي تصرفات من شأنها الإضرار بالثقة والاعتبار الواجبين لشاغل الوظيفة العامة.
غير أن القضاء الإداري وضع ضابطًا بالغ الأهمية لمنع التوسع في التأديب الإداري، مؤداه أن الواقعة المنسوبة إلى الموظف إذا كانت لا تمس شرفه أو نزاهته أو كرامة الوظيفة، ولا تؤثر على أداء العمل أو مكانة المرفق العام، فإنها تخرج من نطاق المخالفة التأديبية، حتى ولو شكلت مخالفة قانونية أو جنائية يعاقب عليها القانون العام.
ومن أبرز التطبيقات القضائية الحديثة في هذا الشأن، حكم المحكمة الإدارية العليا الصادر في الطعن رقم 31424 لسنة 60 قضائية عليا بجلسة 22 فبراير 2020، والذي انتهى إلى إلغاء مجازاة موظف بسبب إقامة مبنى دون ترخيص، تأسيسًا على أن الواقعة لا صلة لها بوظيفته العامة، وأنها من قبيل المخالفات التي يرتكبها المواطنون بصفاتهم العادية، بما يجعل الاختصاص بشأنها منعقدًا للنيابة العامة والقضاء الجنائي، لا للسلطة التأديبية.
ويكشف هذا الاتجاه القضائي عن توازن دقيق بين حماية هيبة الوظيفة العامة، ومنعو تحويل السلطة التأديبية إلى وسيلة للتدخل في الحياة الخاصة للعاملين دون مبرر قانوني حقيقي. فليس كل خطأ شخصي يصلح سببًا للمساءلة الإدارية، وإنما فقط السلوك الذي يمتد أثره إلى الوظيفة العامة ويهز الثقة في القائمين عليها.
وبذلك أرست المحكمة الإدارية العليا قاعدة مستقرة مفادها أن مناط التأديب ليس مجرد وقوع الفعل خارج العمل أو داخله، وإنما مدى انعكاسه على مقتضيات الوظيفة وكرامتها والصالح العام 

مساحة إعلانية