مساحة إعلانية
ليست كل الاجتماعات الرسمية تصنع أثرا وليست كل القرارات الكبرى تولد خلف الأبواب المغلقة
فهناك لقاءات تحمل رسائلها منذ اللحظة الأولى بمجرد اختيار مكان انعقادها
ومن هذا النوع جاء لقاء الدكتورة جيهان زكي وزيرة الثقافة بالسيدة حنان مجدي محافظ الوادي الجديد في رحاب دار الأوبرا المصرية حيث جرى الحديث عن العدالة الثقافية وتطوير البنية الثقافية ورعاية المواهب والتراث واستعدادات زيارة الوزيرة المرتقبة للمحافظة
ما يلفت الانتباه في هذا اللقاء ليس فقط ما دار فيه من مناقشات مهمة حول وصول المنتج الثقافي إلى القرى والمراكز والنجوع في الوادي الجديد بل أيضا الصورة ذاتها صورة مسؤولتين من الصف الأول في الدولة تجلسان في فضاء مفتوح تحت شمس القاهرة وبين الأشجار والزهور بعيدا عن صرامة المكاتب التقليدية وكأن الثقافة أرادت أن تقول إنها لا تنمو بين الجدران وحدها بل في الهواء الطلق حيث يلتقي الإنسان بالجمال والحياة
لقد اعتاد كثيرون أن يروا الوزراء خلف مكاتبهم محاطين بالملفات والتقارير أما وزيرة الثقافة فتبدو وكأنها ترسل رسالة مختلفة مفادها أن الثقافة بطبيعتها فعل إنساني مفتوح وأن الحوار حولها يمكن أن يتم في أي مكان وزمان طالما كان الهدف خدمة الوطن والإنسان فالوزير الناجح ليس أسير مكتبه وإنما حاضر في الميدان وبين الناس ومع شركاء العمل الوطني
ومنذ توليها المسؤولية حرصت الدكتورة جيهان زكي على أن يكون مفهوم العدالة الثقافية أكثر من مجرد شعار وأن يتحول إلى برنامج عمل يمتد من العاصمة إلى المحافظات الحدودية والنائية وهو ما تجلى بوضوح في هذا اللقاء الذي أكد الاهتمام بمحافظة الوادي الجديد وما تملكه من تراث مادي وغير مادي يستحق أن يوضع في قلب المشهد الثقافي المصري
إن اختيار دار الأوبرا المصرية مكانا لهذا اللقاء يحمل دلالة خاصة فالأوبرا ليست مجرد مبنى ثقافي بل رمز لفكرة أن الثقافة يمكن أن تكون جسرا بين مؤسسات الدولة ومواطنيها وبين المركز والأطراف وبين الحاضر والمستقبل
ومن هنا بدا المشهد وكأنه حوار بين الثقافة والتنمية أكثر منه اجتماعا بروتوكوليا عابرا
وفي زمن تندلع فيه التحديات يصبح من الضروري أن تلتقي القيادات التنفيذية والثقافية باستمرار وأن تخرج هذه اللقاءات من الإطار التقليدي الجامد إلى فضاءات أكثر رحابة فالثقافة ليست ملفا إداريا يدار من خلف المكاتب وإنما طاقة حياة تصنع الوعي وتبني الإنسان وتمنح المجتمع قدرته على الحلم
لهذا فإن صورة الوزيرة والمحافظ في ساحة الأوبرا ربما تختصر فكرة كاملة عن الدولة الحديثة
دولة تتحرك فيها المؤسسات نحو الناس ولا تنتظر الناس أن يأتوا إليها
دولة تدرك أن الثقافة ليست ترفا وإنما جزء من الأمن القومي وبناء الإنسان وأن الحوار حولها يمكن أن يبدأ من أي مكان طالما انتهى إلى خدمة الوطن