مساحة إعلانية
هناك كتب تقرأها فتخرج منها بمعلومة جديدة وهناك كتب تنتهي من صفحاتها وقد تغيرت نظرتك إلى العالم وإلى الإنسان وإلى معنى العدالة وهذا الكتاب من النوع الثاني لأنه لا يقدم للقارئ دراسة عن العشوائيات في الهند بقدر ما يضعه وجها لوجه أمام حياة كاملة تدور في أماكن لا يلتفت إليها كثيرون ويجعله يرى الإنسان قبل أن يرى المباني ويرى الكرامة وهي تصارع الفقر ويرى الأمل وهو يخرج من بين أكوام النفايات
منذ الصفحات الأولى يدرك القارئ أنه أمام مؤلف لم يكتب اعتمادا على المراجع وحدها ولم يكتف بما نشرته التقارير الدولية أو الدراسات الأكاديمية وإنما اختار الطريق الأصعب وهو أن يذهب بنفسه إلى قلب التجربة وأن يسير في الأزقة الضيقة وأن يتنفس الهواء ذاته الذي يتنفسه سكان العشوائيات وأن يستمع إلى حكاياتهم وأن يسجل تفاصيل حياتهم بعين الباحث وقلب الإنسان وهو ما يمنح الكتاب صدقا لا يمكن أن تمنحه الكتب التي تكتب من خلف المكاتب
لقد بذل الدكتور وليد الزامل جهدا استثنائيا في إعداد هذا العمل ويكفي أن نتأمل حجم الرصد الذي يقدمه الكتاب لندرك أننا أمام رحلة بحثية استغرقت وقتا طويلا من القراءة والإعداد ثم العمل الميداني ثم المقارنة والتحليل فلم يكن المؤلف سائحا يلتقط الصور بل كان باحثا يعرف ماذا يبحث عنه ويعرف كيف يحول المشهد العابر إلى معرفة يمكن البناء عليها ولهذا جاءت صفحات الكتاب مليئة بالملاحظات الدقيقة التي لا يلتقطها إلا من عاش التجربة لحظة بلحظة
والقيمة الحقيقية لهذا الكتاب لا تكمن في وصف الفقر وحده لأن وصف الفقر أصبح أمرا مألوفا في كثير من الكتابات وإنما تكمن في كشف البنية الداخلية للعشوائيات وكيف تتحول هذه البيئات إلى مجتمعات كاملة لها اقتصادها وعلاقاتها الإنسانية وأنماطها الاجتماعية وطرقها الخاصة في مواجهة الحياة فالكاتب لا ينظر إلى سكان العشوائيات باعتبارهم ضحايا فقط وإنما يراهم بشرا يحاولون أن يصنعوا الحياة كل يوم رغم قسوة الظروف ورغم غياب أبسط الخدمات
ومن أجمل ما في هذا العمل أن المؤلف لا يفرض أحكامه على القارئ بل يترك الواقع يتحدث بنفسه فنحن نسير معه في الشوارع ونقف أمام مصادر المياه ونشاهد الأطفال وهم يركضون بين الأزقة ونرى الأسواق الصغيرة التي تمنح آلاف الأسر فرصة للبقاء ونقف أمام البيوت التي يصعب الفصل فيها بين الشارع والمنزل حتى يشعر القارئ أنه لم يعد يقرأ كتابا وإنما يعيش رحلة كاملة داخل تلك الأحياء التي كثيرا ما يختزلها العالم في كلمة واحدة هي العشوائيات بينما يكشف الكتاب أنها عالم أكثر تعقيدا وأكثر إنسانية مما نتخيل
ويحسب للدكتور وليد الزامل أنه استطاع أن يوازن بين لغة العلم ولغة الأدب فلم تطغ المصطلحات الأكاديمية على النص ولم تتحول المشاهد الإنسانية إلى انطباعات عاطفية مجردة بل ظل ممسكا بالخيطين معا فكل مشهد يقدمه يقوده إلى تحليل علمي وكل رقم يورده يعيده إلى الإنسان الذي يقف خلف هذا الرقم ولذلك يشعر القارئ أن الكتاب يخاطب العقل والوجدان في الوقت نفسه
كما أن المؤلف يقدم نموذجا ملهما للباحث العربي الذي لا يكتفي بالنقل عن الآخرين وإنما يذهب بنفسه إلى الميدان ويغامر ويعايش ويقارن ويستخلص النتائج وهذا ما يمنح الكتاب قيمة علمية وثقافية مضاعفة لأنه يقدم معرفة عربية أصيلة نشأت من المعايشة المباشرة لا من إعادة تدوير ما كتبه الآخرون
واللافت أن الكتاب لا يجعل القارئ ينظر إلى الهند وحدها بل يدفعه إلى التفكير في كل المدن النامية وفي كل المناطق المهمشة وفي السياسات العمرانية التي قد تصنع الفقر أو تعمقه أو تعجز عن مواجهته وهنا تتجاوز قيمة الكتاب حدود المكان ليصبح كتابا عن الإنسان أينما كان وعن العلاقة بين التخطيط والعدالة وعن معنى أن يكون السكن حقا لا امتيازا
إن هذا العمل يؤكد أن البحث العلمي الحقيقي لا يقاس بعدد الصفحات ولا بعدد المراجع وإنما يقاس بقدرته على اكتشاف الإنسان داخل الظاهرة وبقدرته على تحويل الأرقام الجامدة إلى حياة نابضة وهذا ما نجح فيه الدكتور وليد الزامل بامتياز فقد قدم للقارئ العربي كتابا يجمع بين أصالة البحث وروح الرحلة وعمق الرؤية وإنسانية الطرح ليصبح كتاب عشوائيات الهند عمران الفقر واقتصاد البقاء واحدا من الأعمال التي تستحق القراءة والتأمل لأنه لا يوثق مكانا فحسب بل يوثق تجربة إنسانية كاملة ويترك في نفس قارئه سؤالا كبيرا عن العدالة وعن حق الإنسان في أن يعيش حياة تليق بكرامته