مساحة إعلانية
كتب : عاطف طلب
في ظل الطفرة غير المسبوقة في تنفيذ المشروعات القومية الكبرى، خاصة في مجالات البنية التحتية والطاقة والنقل، باتت إدارة الأخطار أحد أبرز التحديات التي تواجه صناع القرار والمستثمرين على حد سواء. ومع تعقد هذه المشروعات وارتفاع حجم استثماراتها، يبرز التأمين كأداة استراتيجية لا غنى عنها، ليس فقط لتعويض الخسائر، بل لضمان استدامة التنمية وتعزيز الاستقرار الاقتصادي.
تمثل المشروعات القومية الكبرى ركيزة أساسية في بناء اقتصاد قوي وقادر على المنافسة، حيث تسهم بشكل مباشر في تحسين جودة الحياة، وتطوير البنية التحتية، وجذب الاستثمارات المحلية والأجنبية. إلا أن هذه المشروعات، بطبيعتها، تنطوي على مستويات مرتفعة من الأخطار، سواء خلال مراحل التصميم والتنفيذ أو التشغيل.
وتتنوع هذه الأخطار بين أخطار إنشائية مرتبطة بأخطاء التصميم والتنفيذ، وأخرى تشغيلية قد تؤثر على كفاءة المشروع بعد تشغيله، بالإضافة إلى أخطار تمويلية وقانونية، وأخرى حديثة مثل الهجمات السيبرانية وتداعيات التغيرات المناخية. كما تمثل أحداث الطقس المتطرف وأعطال البنية التحتية وفقدان البيانات من أبرز التحديات التي قد تهدد استمرارية هذه المشروعات.
في هذا السياق، يلعب التأمين دوراً محورياً في إدارة هذه الأخطار من خلال نقل العبء المالي إلى شركات التأمين، بما يضمن استقرار التدفقات النقدية للمشروعات، ويحد من التأثيرات السلبية لأي خسائر محتملة. كما يسهم التأمين في تعزيز الجدارة الائتمانية للمشروعات، حيث يعد وجود تغطيات تأمينية شاملة أحد الشروط الأساسية للحصول على التمويل من المؤسسات المالية.
ولا يقتصر دور التأمين على الحماية المالية فقط، بل يمتد ليشمل دعم بيئة الاستثمار، إذ يعزز ثقة المستثمرين من خلال تقليل درجة عدم اليقين المرتبطة بالمشروعات الكبرى. كما يمثل أداة فعالة لدعم نماذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص، من خلال توزيع الأخطار بشكل عادل بين الأطراف المختلفة.
وتتعدد التغطيات التأمينية التي تلبي احتياجات هذه المشروعات، بدءاً من تأمين جميع أخطار المقاولين، مروراً بتأمين المسؤوليات المختلفة، ووصولاً إلى التغطيات المتخصصة مثل التأمين ضد تأخير التشغيل والتأمين السيبراني والتأمين البارامتري. ويعكس هذا التنوع مدى تطور صناعة التأمين وقدرتها على مواكبة التحديات الحديثة.
من ناحية أخرى، تتأثر تكلفة التأمين بعدة عوامل، من بينها حجم المشروع وطبيعته، وموقعه الجغرافي، وسجل المطالبات، ومستوى كفاءة إدارة الأخطار. وهو ما يفرض ضرورة تبني منهجيات علمية دقيقة في تقييم الأخطار وتصميم البرامج التأمينية.
وفي مصر، ومع التوسع في تنفيذ مشروعات مثل العاصمة الإدارية الجديدة وشبكات الطرق والطاقة المتجددة، تتزايد أهمية التأمين كأحد أعمدة حماية هذه الاستثمارات الضخمة. كما يبرز دور الاتحاد المصري للتأمين في دعم تطوير السوق، وتعزيز استخدام أدوات إعادة التأمين، ورفع كفاءة الكوادر الفنية.
لم يعد التأمين رفاهية أو مجرد إجراء احترازي، بل أصبح ضرورة اقتصادية تفرضها طبيعة العصر وتعقيدات المشروعات الحديثة. وإذا كانت الدولة تمضي قدماً في تنفيذ خطط تنموية طموحة، فإن نجاح هذه الخطط يظل مرهوناً بوجود منظومة تأمينية قوية وقادرة على استيعاب الأخطار الكبرى. فالتنمية الحقيقية لا تُقاس فقط بحجم المشروعات، بل بقدرتها على الاستمرار والصمود أمام الأزمات، وهنا يتجلى الدور الحقيقي للتأمين كشريك خفي لكنه حاسم في معادلة التنمية