مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

أنا الذي مزّقت الشهادة... بقلم محمود النعيمي

2026-11-07 06:42 AM  - 
أنا الذي مزّقت الشهادة... بقلم محمود النعيمي
محمود النعيمي

هنا،أنا أتكلم عن نفسي، لا عن رجل غائب، ولا عن قصة تروى من بعيد. أنا الذي ظهر في الصورة، وأنا الذي أمسك الشهادة بيدي، وأنا الذي مزقتها أمام ولدي عبد الرحمن، وفي حجري عدة شهادات أخرى قمت كذلك بتمزيقها.
إن عبد الرحمن يخرج في المركز الأول في كل عام، يكاد أن يكون من غير انقطاع في أغلب المواد. وهذه حقيقة يعرفها الجميع. غير أن هذا التفوق، لم يكن بفضل المدرسة، بل على الرغم منها. فهو يتعلم على يدي، وعلى أيدي أساتذتي الذين اخترتهم له بعناية.
وهم أنفسهم الأساتذة الذين يدرسون له في المدرسة، ولكن الفرق بين ما يدرسونه له في الداخل، وما يدرسونه له في الخارج، هو الفرق بين القيد والحرية، وبين الحفظ الأجوف والفهم الحقيقي فلهم مني قبلة على جبين كل منهم ولهم مني كل حب وشكر وتقدير واحترام.
في المدرسة، يقيدونهم بالمنهج، ويحاصرون عقولهم بالمقرر، ويجعلون العلم سجنا من الدروس المعدة سلفا. أما خارج المنهج، فيدرس ولدي علوما أفضل، وفهما أعمق، وعلما ينفعه في الدنيا والآخرة. فالعيب ليس في المعلم، بل في المنهج، والعيب ليس في الأستاذ، بل في المنظومة التي وضعت المنهج، والتي جعلت العلم وظيفة، وجعلت التلميذ رقما، وجعلت النجاح ورقة.
إن ولدي يحفظ القرآن على أيدي المشايخ في "الكُتَّاب"، لأن "الكُتَّاب" يعلم، والمدرسة لا تحفظ. الكتاب يربي القلب، والمدرسة تربي الخوف. الكتاب يجعل القرآن حياة، والمدرسة تجعل الدين مادة للامتحان، تحفظ لتكتب، ثم تنسى بعد الورقة.
إنني لا أعلم ولدي ليكون ترسا في منظومة تخدم فئة معينة من المجتمع، وتسحق بقية الناس. لا أعلمه ليكون موظفا مطيعا، يأخذ الأوامر، ويحفظ التعليمات، ويخشى المدير، ويسجد للمنصب. إنني أعلمه ليكون إنسانا حرا، يعرف ربه، ويعرف نفسه، ويعرف علمه، ويعرف لماذا يعيش، ولماذا يتعلم، ولماذا يعمل.
إن الذين وضعوا المناهج، قد أخفقوا إخفاقا واضحا، وقصروا تقصيرا بينا، وخذلوا الأجيال، وأهدروا العقول. لقد جعلوا الطفل يفرح بالورقة أكثر من فرحه بالعلم، وجعلوا الأب يفتخر بالدرجة أكثر من افتخاره بالفهم، وجعلوا المجتمع كله عبدا للختم والتوقيع.
إنني حين مزقت الشهادة، إنما مزقت هذا الوهم. مزقت الفكرة التي تقول إن ابني صار شيئا لأنه حصل على ورقة. ومزقت الادعاء الذي يقول إن المدرسة صنعت ابني. ومزقت الاحتفال الزائف الذي يراد منا أن نحتفل به كل عام، بينما عقول أبنائنا تفرغ، وقلوبهم تجف، وأرواحهم تذبل.
إنني أقول لولدي، وأقولها أمام الجميع: خذ الشهادة لكي تتعامل بها مع الناس، لأننا في مجتمع لا يعترف بالعالم إلا إذا كانت معه ورقة، ولكن لا تعبدها، ولا تفرح بها، ولا تجعلها ميزانك. ميزانك هو علمك، وميزانك هو قرآنك، وميزانك هو عقلك الذي حررته من المنهج، وقلبك الذي ربيته على الحق.
إن فرحي الحقيقي ليس أن أرى ولدي يحمل شهادة، بل أن أراه يحمل علما ينفعه في الدنيا، وينفعه في الآخرة، ويجعله إنسانا لا يباع، ولا يشترى، ولا يكون ترسا في آلة، ولا خادما لفئة، بل يكون سيد نفسه، وخادما للحق وحده.
ها نحن نرى حملة الشهادات العليا وكثير منهم لا يحمل من العلم إلا ورقته.لهذا مزقت الشهادة، وسأمزق كل شهادة تأتي بعدها، حتى يفهم ولدي، ويفهم كل من يقرأ، أن العلم أكبر من المدرسة، وأن الإنسان أكبر من الورقة، وأن من وضع هذه المناهج، قد أخفق في رسالته، وقصر في أداء واجبه، وأهدر أمانة العلم، ووجب عليه أن يراجع نفسه، قبل أن يطالبنا بأن نفتخر بورقة صنعها بيده.
أقسم بمن أحل القسم، أنني لا أفرح إذا حصل ولدي على الشهادات، ولا أفرح إذا صار طبيبا، ولا أستاذا، ولا رئيس قسم، ولا صاحب لقب من الألقاب التي يتباهى بها الناس. فالألقاب عندي أوهام، والشهادات عندي أوراق، والمدرسة عندي لا تمنح علما، بل تمنح قيدا.
وإن الاحتفال الحقيقي، عندي، ليس بالورقة، بل بالعقل الذي تحرر منها.

مساحة إعلانية