مساحة إعلانية
أسوار وعهود
انقضت أربعون ليلة، لم تأتِ رسالة.
هو ... فتح صندوق البريد المعلق أمام الباب فجرًا، فارغ.
ظهرًا، فارغ.
وحتى في هَويد الليل ينتزع منه الفراغ كل شيء.
هناك...
في البداية ظن أنها مشغولة، ثم ظنها نائمة، ثم اختطفه الخوف.
هو يعرفها جيدًا، لا تختفي هكذا إلا إذا انهار السور.
وهنا...
في الجهة الأخرى، كانت جالسة أمام الشاشة.
الأصابع تتلمس الحروف بحذر، القلب يرتجف، العيون تتلصص الجدران الباردة مسروقة الحياة.
كتبت له سبع مرات: "أنا بخير".
ومسحتها سبع.
تذكرت كلام الناس، القوانين الصارمة، تذكرت كبرياء امرأة مهزومة بشتى الطرق، وفي جميع الحروب.
خشيت أن تسبب رسائلها جرحًا له، أو نزيفًا لها.
أغلقت الجهاز وخرجت. تحيطها ظلمتها من كل اتجاه.
أضواء المدينة المشتعلة، والبدر القرمزي المستدير، تحالفوا على طمس معالم الطريق.
حتى النسيم الليلي، والذي سبق فقطع وعدًا للسهارى بتلطيف الليالي الشاردة من حصار الأرق، أغلق أبوابه في وجهها.
ساقتها أقدامها إلى البحر جبرًا.
وحيدة ذهبت، وحيدة جلست، ووحيدة غادرت.
وهناك...
ظل يكتب في المسودات:
"لو كنتِ هنا لقلت لكِ...
أخشى أن أكون سبب ثقلكِ
أقسم أني لا أريد منكِ شيئًا سوى أن تبقي."
ولم يرسل شيئًا.
حاول تعليمها مرات كثر ،كيف تعيش الحياة ،ولكنها تؤثر وئد حياتها بيديها ،على ان تغامر فى الدخول حياة لا تستهويها.
حرصه عليها اشد من حرصه على نفسه.
وخوفها المتناهي يميت محاولاته
للصبر حدود، وللحدود حرس، وللحرس أسلاك شائكة، وبنادق، ومخزن للبارود.
بدأت المدينة "هناك" تصبح ضيقة، والغرفة "هنا" تصبح أضيق.
وفي الليلة التي لم تُعنون برقم، رن إشعار.
رسالة واحدة، سطر واحد:
لم أمت، كنت أتعلم كيف أحيا بدون أن أشرح لأحد.
جلس أمامها ساعة كاملة لا يرد.
ثم كتب:
وأنا كنت أتعلم كيف أنتظر، بدون أن أطالب.
ارجعي حين تشائين. الجسر لم ينهدم، أنا فقط كنت أصلحه من ناحيتي.
من يومها عاد الطقس، لكن بشيء جديد.
لم يجلس أحد منهما مرة أخرى على قهوة الاعتراف.
لم يقل أحدهما للآخر: "انتهى الأمر".
لم يدفع أحدهما ثمن المشروبات التي شربها الآخر.
لم يلعبا الشطرنج لينهزم الاقوى بارادة حرة.
لم يضحكا سويا على كش ملك.
لم يلمس اصابعها بشغف يغلفه الحياء.
لم يبغضا بعضهما، ولم يصبحا عاشقين.
بعض الحب لا يحتاج لقاء.
يحتاج فقط... ألا ينقطع .