مساحة إعلانية
شهدت الساحة خلال الفترة الأخيرة حالة من الجدل الواسع حول ما يُعرف بـ"نظام الطيبات"، بعدما تعرض لهجوم وانتقادات حادة من بعض الأطباء والمهتمين بالشأن الصحي. والمثير في هذا الجدل أن جانبًا من تلك الانتقادات لم يستند إلى دراسات منشورة أو أبحاث علمية واضحة بقدر ما اعتمد على مواقف عامة وأحكام مسبقة، الأمر الذي فتح باب التساؤل حول طبيعة هذا الرفض وأسبابه الحقيقية.
لا خلاف على أن أي نظام أو منهج يتعلق بصحة الإنسان يجب أن يخضع للنقد والتقييم والمراجعة المستمرة، فالعلم لا يعرف القداسة، والنقاش الموضوعي حق للجميع. لكن في المقابل، فإن النقد ذاته يجب أن يكون قائمًا على الأدلة والبيانات والنتائج القابلة للقياس، لا على الانطباعات الشخصية أو المواقف المسبقة.
المتابع للنقاش الدائر يلاحظ أن كثيرًا من الأصوات المعارضة لنظام الطيبات ركزت على التحذير منه أو التشكيك في جدواه دون أن تقدم للرأي العام شواهد علمية مفصلة أو دراسات مقارنة توضح مكامن الخلل بشكل دقيق. وهذا الأسلوب لا يخدم الحقيقة بقدر ما يزيد حالة الاستقطاب بين المؤيدين والمعارضين.
إن المجتمع من حقه أن يعرف الحقائق كاملة. فإذا كان هناك ضرر مثبت أو قصور علمي في أي نظام غذائي أو صحي، فمن الواجب عرضه بلغة علمية واضحة مدعومة بالمراجع والنتائج البحثية. أما الاكتفاء بالهجوم أو السخرية أو إطلاق الأحكام العامة، فإنه لا يساهم في بناء وعي صحي حقيقي، بل قد يدفع البعض إلى التمسك بمواقفهم أكثر نتيجة الشعور بأن النقاش يفتقر إلى الموضوعية.
وفي الوقت نفسه، فإن الدفاع عن أي نظام لا ينبغي أن يكون دفاعًا مطلقًا أو عاطفيًا، بل يجب أن يخضع هو الآخر للمعايير العلمية ذاتها. فالمعيار الحقيقي ليس عدد المؤيدين أو المعارضين، وإنما قوة الأدلة والنتائج الموثقة.
إن الأزمة الحقيقية ليست في الاختلاف حول نظام الطيبات أو غيره من الأنظمة، بل في غياب الحوار العلمي الرصين الذي يضع الأدلة فوق الاعتبارات الشخصية والمهنية والإعلامية. فحين يتحول النقاش من عرض الحقائق إلى تبادل الاتهامات، يخسر الجميع وتضيع الحقيقة بين الضجيج.
لذلك، يبقى المطلوب من جميع الأطراف أن تقدم ما لديها من براهين علمية موثقة، وأن تترك للجمهور فرصة الاطلاع والفهم والحكم بعيدًا عن التهويل أو التحيز. فالعلم لا ينتصر بالصوت الأعلى، وإنما ينتصر بالدليل الأقوى.