مساحة إعلانية
من أبلغ الجمل الأسوانية بالرغم من قصرها جملة ( الشوفة نصيب) لإنها عندما تقال لا تحتاج بعدها لأي شرح أو تفسير أو زيادة ...ولي مع هذه الجملة قصة ..هي قصة حياتي
بعد رحيل والدي مررتُ بحالةٍ نفسيةٍ سيئة فاقترحَت عليّ أمي السفر لأختي في القاهرة لعلّي أخرجُ من تلك الحالة ..وبعد تردد وافقت ..وسافرتُ مع أولادي وكنتُ أحدثُها يومياً مالا يقل عن ثلاثِ مرات ..وأحكي لها كلَ شئٍ عن يومي ...ماذا فعلنا ..ماذا أكلنا ...أين ذهبنا ...كل شئ ..وسألتها : أجيب لك إيه معايا ياماما وأنا جايه ؟ فقالت ( كالعادة ) عايزة سلامتك ..وبعد إلحاح مني ..قالت على استحياء : هاتي لى جزمة تكون واطية وخفيفة ..قلت لها من عينيا يا حبيبتي ..وسألتني فجأة ..إنتي مبسوطة ؟فتعجبتُ من السؤال لأنني بالفعل لم أكن سعيدة وكنتُ أشعر بغصةٍ في قلبي ..فقلت لها ليه بتقولي كده يا ماما؟ فقالت لي أهم حاجة عندي إن انتي تكوني سعيدة يا أمل حياتي ( وهكذا كان يحلو لها أن تناديني ) ..كانت تشعر بي دون أن أتكلم ..وفي نفس اليوم إشتريتُ لها الحذاء الطبي المريح وأنا أضعُه في شنطةِ سفري جاءَني هاتفٌ في خاطري يقول ..مش هتلحق تلبسه ...أقسمُ بالله كأنّه صوتٌ أسمعُه بأذُنيّ ..فاستعذتُ
باللهِ من الشيطان وأغلقتُ حقيبتي ..وحاولتُ أن أتناسى ذلك الخاطر ..وفي اليوم التالي هاتفتها كالعادة فوجدتها تعاني من كحة وزكام ( دور برد)..وأخبرتها بأنني سأركب القطار أنا وأختي في الغد وأنني أشتاقُ إليها كثيراً ..وفي القطار ..لا أدري لماذا لم أحدثُها مطلقاً ..على غيرِ العادة ..وظللتُ طوالَ الطريق أشاهدُ أمامَ عينيّ مشاهد عزاء ..وصوتٌ يقولُ لي ..العزاء في بيت عبدالرازق ( وهو بيت عائلة أمي) ..ولكن لم أعرف عزاءُ مَن بالتحديد ...ظللتُ واجمةً طوالَ الطريق ..أخبئُ مخاوفي وهواجسي ..أدعو اللهَ أن تكونَ مجرد هواجس ...وصل القطار وكان زوجي في انتظاري وحاول أن يـُخفي مشاعرَه وحزنَه عني وادعى أنّه مرهق من حرارة الجو ..أخذ أبنائي وأبناءَ أختي وتركني أنا وهي نذهب لأمي بمفردِنا وأخبَرَنا أنها قد اشتدّ عليها المرض ولا داعي لوجود الأطفال معنا...مشيتُ أنا وأختي أطولَ مسافةٍ مشيتُها في حياتي من المحطة وحتى بيتِنا ..مع العلم بأنّ البيت على بعد خطواتٍ من المحطة..مشيتُ وكأنني في صحراءٍ واسعةٍ شاسعة ..وبدأنا نشاهدُ سيداتٍ متشحاتٍ بالسواد يقبلن علينا بالقرب من البيت ..لم أسمع ماذا قالوا ولا أعرفُ كيف وصلت ..ولا ماذا فعلت ..كل ما أعرفهُ أنني وصلتُ ولم أجد أمي ..كانت قد ذهبَتْ للأبد ..ذهبَتْ ولم أراها للمرة الأخيرة ..لم أودعها ..لم أقبلها ...تركوني أسأل ...أين أمي؟؟ ..كيف ومتي ؟؟...وأنا إلى الآن وبعد خمسة عشر عاماً ..مازلت أطلبُ رقمَها كلَ يومٍ بالرغم من أنني أعلمُ أنها لن تجيب ..ومازلتُ أسأل أين ذهبت أمي ومتى تعود ؟؟..مازلت أراها في المنام وهي تقولُ لي بأنها مازالت على قيدِ الحياة وكلهُم كاذبون .. ومازلتُ أحتفظُ بحذائِها الذي لم ولن ترتديه