مساحة إعلانية
كتبت - وئام تركي - تونس
زغوان – في مكان لم يكن يوحي، قبل سنوات، بأي مشروع، بدأت حكاية «Café La Grotte». فضاء تابع للبلدية ظلّ مهملًا، وكان يُستغل من بعض الأشخاص للشرب والمبيت، إلى أن رأى فيه الشاب مراد عباس فرصة مختلفة. لم يرَ مجرد مكان منسي، بل فضاءً يمكن أن يستعيد حضوره ويصبح مشروعًا قائمًا.
تقدّم مراد بمطلب إلى البلدية لاستغلال المكان، إلى جانب شخصين آخرين تقدّما بدورهما بمطلبين في الغرض. وبعد دراسة المطالب، تمت الموافقة على مطلبه، ليحصل على الفضاء بمعلوم كراء رمزي. ومنذ ذلك الحين، بدأت رحلة لم تكن سهلة، وكان عليه أن يبدأ تقريبًا من الصفر.
احتاج المكان إلى نحو عامين من العمل قبل أن يصبح جاهزًا. تنظيف، إزالة للأوساخ والفضلات، بناء وتهيئة وتجهيز، وهي مراحل شارك فيها مراد بنفسه، إلى جانب إنفاقه من ماله على المشروع. كان حاضرًا في تفاصيل الأشغال، يتابع ما يجب إنجازه ويشارك في تنفيذه، يومًا بعد يوم.
وتروي والدته أن ابنها كان يعود إلى المنزل في ساعات متأخرة من الليل، وأن أصابعه كانت تنزف أحيانًا من شدة العمل. لم تكن الطريق سهلة، لكنه واصل، حتى في الأيام التي كان فيها التعب أقوى من أن يُخفى.
«لن تنجح»... لكنه اختار أن يجيب بالعمل
لم يلقَ المشروع ثقة الجميع في البداية. فقد سمع مراد من بعض الأشخاص أنه لن ينجح، وتعرّض للسخرية بسبب اختياره لفضاء مهمل ليقيم فيه مشروعه. لكنه لم يتوقف عند تلك الكلمات، ولم يحاول إقناع الجميع بما يفعله، بل واصل الأشغال وترك للمكان أن يجيب عنه.
ومع مرور الوقت، بدأت الصورة تتغير. اكتملت التهيئة، فتح «Café La Grotte» أبوابه، وبدأ يستقبل رواده. أما بعض الذين شككوا في البداية، فتحولت مواقفهم إلى تهانٍ، واعترفوا بأنهم لم يتوقعوا أن يصل المشروع إلى هذه المرحلة.
اليوم، أصبح «Café La Grotte» معروفًا في زغوان، لكن وراء المشروع تفاصيل لا تظهر للعين من الوهلة الأولى: عامان من العمل، ومصاريف تحمّلها صاحبه، وأيام طويلة من الأشغال، وإصرار على مواصلة طريق بدأ من فضاء مهمل.
مراد عباس: «تونس جميلة وشبابها قادر على تقديم الكثير»
وعن تجربته، يقول مراد: «علينا أن نُوعّي الشباب بأن تونس جميلة، وأن فيها الكثير من الإمكانيات والطاقات. نستطيع أن نقدم فيها مشاريع وأفكارًا جيدة، وأن نحقق الكثير إذا آمنا بأنفسنا وعملنا من أجل بلدنا. مهما كانت الصعوبات، لا يجب أن نتوقف أو نستسلم، بل علينا أن نواصل ونصنع الأمل».
ويوجّه مراد للشباب دعوة إلى عدم الاستسلام أمام الصعوبات أو كلام المحبطين، وإلى الإيمان بأفكارهم والعمل على تطويرها، حتى وإن كانت البداية بإمكانيات محدودة. فالمهم، بالنسبة إليه، أن يبدأ الإنسان وأن يواصل الطريق بدل أن يتخلى عن فكرته قبل أن يمنحها فرصة.
لم يكن مراد يبحث عن مكان جاهز، بل صنع من المكان الذي وجده نقطة انطلاق. ومن فضاء ظلّ لسنوات خارج دائرة الاستغلال، بدأت حكاية «Café La Grotte» التي امتدت نحو عامين من العمل حتى وصلت إلى شكلها الحالي. وبين بداية لم تشجّع كثيرين ونتيجة غيّرت نظرة من شككوا فيها، بقيت التفاصيل الأهم خلف أبواب المشروع: شاب آمن بفكرته، عمل عليها بصبر، ورفض أن يجعل عبارة «لن تنجح» نهاية الحكاية.