مساحة إعلانية
أنا من جيل عاصر مطبوعات الماستر ، تلك المطبوعات التي كنا نكتبها ونخرجها بأيدينا ، فيها رائحة عرقنا، وجهد وإبداع يدوي من الغلاف للغلاف، وكنا نرسلها لبعضنا البعض عبر البريد العادي ، وكانت لهذه المطبوعات أثرها وحضورها ، قدمت للحراك الثقافي زبدة الأدباء والشعراء والكتاب ، والآن في ظل هذا الكم الهادر من المطابع ودور النشر ، نعيش أزمة حقيقية ، تلك الأزمة التي تواجه الإبداع الحقيقي ، تتلخص وتتمحور في عدة نقاط هي النظام الشللي النفعي المسيطر علي المؤسسات الثقافية الرسمية ، التي تقدم وجوها يمكن أن تكون جيدة ،ولكن هناك ما هو أجود يتجاهل، كما أن ارتفاع أسعار طباعة الكتاب ، لا يقدم كتابا بمستوي عالمي في جودته ، ورغم انتشار دور الطباعة، وإتاحة النشر لجيل الشباب، وهناك منهم من حصد الجوائز العالمية، إلا أن هناك تكمن المشكلة وهو الاستسهال في دفع الكاتب لطبع كتابه وهي ظاهرة نعاني منها مع هدير المطابع الذي لا يتوقف ، حتي اصبح بحثنا عن الأصيل والثمين ، كالبحث عن جوهرة في كوم كبيرة من القش ، فما فعلته وسائل النشر السهلة علي الفضاء الإليكتروني، ضخم ذات البعض، ودفعه للدخول في تجربة النشر الورقي دون أن ترتقي المادة للنشر، ومادام هناك دور نشر خاصة تأخذ مقدما ثمن الكتاب من المؤلف الشاب، بالإضافة إلي ربحها أيضا وكثيرا ما يكون مغالي فيه، بعد أن تحول النشر لتجارة رابحة عن معظم دور النشر وللأسف معظمهم من الكتاب .. سيظل الإبداع الشبابي تشوبه هذه الموجة التجارية التي تغطي علي الثمين والجيد والإبداع الحقيقي . ورغم هذا الحضور الصاخب للأدب الشبابي، إلا إنه لا يعبر حقيقة عن المشهد الراهن بكل ما فيه ، فهناك مبدع حقيقي في الظل لا يملك أن يقدم نفسه بالصورة التي تليق به في ظل مؤسسة تنتقي بمعايير خاصة، ومن خلال تجربتي الشخصية كأمين عام مساعد لمركز ثقافي « مركز عماد قطري للإبداع والتنمية الثقافية « ومن خلال مسابقات المركز المتنوعة اكتشفنا خلال عقد من الزمان .. أدباء تخطو مرحلة الشباب بكثير، بل بعضهم وصل للشيخوخة ولم يستطع أن يطبع كتابه الأول بعد، رغم المحاولات المتعددة بتقديم كتابه لمؤسسة ثقافية ، ليكتشف بعد سنوات طويلة أن مخطوطة كتابه فقدت ، وهي مشكلة مازالت تتكرر ، في حين نجد أن كتاب بعينهم ينشر لهم بصفة دورية .
الأمر يحتاج للكثير من الوعي بالواقع المحيط، وأن نقدم بالفعل كل موهبة حقيقية بعيدا عن « الشللية « القاتلة للمواهب . حتي تأخذ كل موهبة حقها، والراصد يدرك تماما إن الديمومة للمبدع الحقيقي، وغربال الأدب يصفي ولو بعد حين .