مساحة إعلانية
ما إن طويت الصفحة الأخيرة من كتاب « مذكرات طبيب شرعي « للدكتور عماد الديب، وأغلقت الكتاب، حتي صرخت أعماقي : يا الله، أهذا هو مصير الإنسان بكل جبروته وتسلطه، هذه نهايته الحتمية سواء كانت طبيعية أو بفعل بفاعل، إنها نهاية واحدة وإن اختلفت، كل هذا الزهو والغرور والكبرياء والأناقة والجمال يتحول لمجرد « رمة « عفنة سرعان ما تتحلل بعد أن يأكلها الدود، يا الله .
هذا الكتاب الصادر عن مكتبة مدبولي في طبعته الأولي 2002م في (152) من القطع الكبير . وكما يقول الكاتب في صدر الكتاب « إنها ليست يوميات، وإنما هي مذكرات، مذكرات عن الإنسان حينما يضل وينتكس .. ومذكرات عن المجتمع حينما يسهو ويقسو ..» . يدون الكاتب عن رحلة عمله في وسط صعيد مصر وهو يجوب المدن والقري بين أسيوط والمنيا والوادي الجديد، يقوم بعمله كطبيب شرعي، يدون بعض ما عايشه وشاهده من جرائم قتل بمختلف أنواعها، ويسجل رؤيته وفلسفته عن الحياة والبشر متسلحا بثقافة طبية وعلمية ودينية تظهر جلية وواضحة عبر رويته لما يراه ويشاهده من قضايا، ومعايشته للبشر في كل بقعة يعمل بها . فجاء الكتاب خليطا بين المذكرات والرؤية للحياة والكون . ويعرفنا علي مهنته فيقول « الطبيب الشرعي .. هو طبيب تخرج في كلية الطب لكنه غير مصرح له بمزاولة مهنة الطب !. لأنه ببساطة طبيب قاض يعمل في وزارة العدل .
مهمة شاقة وعسيرة، وتحتاج لثقافة ووعي وحكمة وصبر وتدبر،فلا يقتصر عمله علي تشريح الأموات حسب اعتقاد الغالبية العظمى، ولكن مهامه بالإضافة لهذه المهمة كثيرة منها التعامل مع المصابين إصابات جنائية لبيان ما بهم من إصابات،ويقوم بفحص أداة الجريمة المتعلقة بقضايا القتل أو الإصابة، ويقوم بالكشف علي حالات هتك العرض، والبت في قضايا المسئولية العقلية، وقضايا العنة، وقضايا التعذيب واستعمال القسوة في أقسام الشرطة. ويذكر الكاتب الذي يعي مهام وظيفته وخطورتها بأن « كتابة تقرير الطب الشرعي ليست هينة، وأحسب أن كل كلمة فيه يجب أن توزن بميزان الذهب، بل أن كل حرف قد يغير المعني وتترتب عليه أحكام خطيرة « . يغوص الكاتب في عمق المجتمع وهو يسرد لنا مشاهداته وما واجهه خلال عمله، ويسرد لنا بعض الملابسات حول الكثير من القضايا التي عاين فيها وشرح الجثث الرميَّة ليظهر حقيقة الوفاة بأدلة دامغة وهذا يحتاج لدقة كبيرة .