مساحة إعلانية
الجورنالجي أستاذ، وصاحب صاحبة الجلالة، والعازف على أوتار الكنانة، والقلم المغرّد في سماء صناعة القرار… نعم..لكن الاختلاف لا يولد من التقليل، بل من الحجم. وكلما كبر الاسم، كبر السؤال.
نختلف معه لأن الرجل لم يكن مجرد شاهد على عصره، بل كان جزءًا من هندسته، خاصة في ظل تجربة جمال عبد الناصر..وهنا تكمن العقدة: هل يظل الصحفي صحفيًا حين يصبح قريبًا من مركز القرار؟ أم يتحول، دون أن يشعر، إلى أحد أركانه الذهنية؟ ليست المشكلة في الصداقة، ولا في الجلوس إلى جوار الزعماء، بل في المسافة.المسافة هي روح المهنة. وكلما اقترب القلم من السلطة، خسر شيئًا من برودته اللازمة للحكم.
حين طوّر الأهرام، صنع مؤسسة بحجم دولة، وأدخل إلى الصحافة العربية مفهوم “الملف” و”التحليل العميق”، ورفع سقف المهنية. لكننا نختلف معه لأن هذه القفزة حدثت داخل نظام سياسي أحادي الصوت. فهل كانت كل الأصوات ممثلة؟ أم أن الصحيفة كانت تعبيرًا راقيًا عن رؤية رسمية ذكية؟ علاقاته مع شخصيات مثل جواهر لال نهرو وجوزيف بروز تيتو تدل على مكانته الدولية، لكنها لا تجعل تحليلاته منزّهة عن الخطأ. فالقرب من صانع القرار يمنح المعلومة، لكنه قد يمنح أيضًا انحيازًا غير مرئي. نختلف معه لأننا نسأل: في لحظات الإخفاق الكبرى — مثل يونيو 1967 — أين كان دور المثقف القريب من السلطة؟ هل كان الخطاب الإعلامي آنذاك جزءًا من صناعة التوقعات الكبرى؟ وهل يتحمل من صاغ الوعي العام نصيبًا من مسؤولية الخيبة؟ أما كتبه مثل خريف الغضب والعروش والجيوش فهي أعمال راسخة، لكنها تمثل رواية من داخل الغرفة. والرواية من الداخل تملك قوة الوثيقة، لكنها قد تفتقد أحيانًا براءة المسافة. نختلف معه لأننا نختلف حول نموذج “المثقف-الدولة”.هل نريده ضميرًا يراقب؟ أم عقلًا يشارك؟ هيكل كان الاثنين معًا.
وهذا هو سبب الجدل الدائم حوله.الاختلاف معه لا ينتقص من قيمته، بل يؤكدها. فالشخصيات الصغيرة لا يُختلف عليها؛ تمرّ بلا أثر. أما هو، فقد كان أثرًا ممتدًا، ولذلك ظل موضوعًا للنقاش. ربما لم يكن مؤرخًا محايدًا بالكامل، وربما لم يكن مجرد راوٍ رسمي. كان كاتبًا كبيرًا في زمن كبير، وحين يكبر الزمن، تتعقّد الأسئلة. والتاريخ — كما قلت — لا يُكتب بالعاطفة وحدها، بل بالتوازن بين الإعجاب والمساءلة.