مساحة إعلانية
كلما داهمني الحنين إليه أذهب إلى صفحته، أتفحص صوره، أقرب ملامحه التي أحفظها عن ظهر قلب، هذه صورته مع أطفاله الذين يعشقهم، نصف كلامه عنهم، والنصف الآخر يثنى على تفاصيل جسدي..
يجرني إلى حديث سريري، أخترع أجوبة لأسئلة له عن استدارة نهديّ ومقاس حمالة الصدر، أقول له: صدري يضيق عندما أشم رائحة خبز محترق، ونهداي يؤلماني عندما أتذكر أن عمري قد انفرط ولا طفلة لي تذوق حليبهما.
ينزعج، ويواصل في محاولات تقوده إلى اشتهاء آخر، أتعلمين أن ساقيك الطويلتين تشبهان سيقان عارضات الأزياء ولكنهما مكتنزتان؟ هذا الاكتناز الذي يجعلني أتوق إلى رؤيتهما.
نعم فطولهما يجعلني أكثر قدرة على القفز داخل الباص كل صباح وحجز مقعدي الأخير. أجلس بجانب النافذة، أضع حقيبتي بجواري كي أتلاشى تثاقل من يجلس، لكنه يفعلها، أقزم نفسي، أصير بحجم نملة، ومع ذلك لا أسلم من الدهس، أشكر الله على منحهما لي، خطواتي المتسعة لا تخذلني في الوصول باكرا.
مدير العمل القصير جدا، يتحاشى النظر إلى.. لا يجد سببا لتوبيخي، وليس ثمة سبب يجعلني أتوسل إليه ليغفر.
يتأفف حبيبي من ردودي، يعاود اسئلته، بعد أن جعلها أكثر هدوءا فى خطة ماكرة للعودة مرة أخرى لفتح باب لغوايتي.. أرى ذلك جليا في عينه التى تدور حول جسدي... يلفه ككرة المطاط، يختار أماكن حميمية، ويمعن في النظر إليها، أعلم جيدا مبتغاه، وأتغاضى عنه.. فأنا امرأة أربعينية، حظي فى الزواج قليل، وحظي فى الحب أقل، ليس فيّ ما يغري رجلا، فلا مال، ولا جمال يلفت، فأنا امرأة الظل، مغرية جدا للمتزوجين، ولمن يريدون عيش حياة سرية، بلا مطالب أو مسؤوليات، أنا امرأة الفراغ، حتى يمتلئ بأخرى.. امرأة جسدها متكسر ومتشقق كإناء من طين يحتاج لتمسده يد صانع الفخار، أنا امرأة من نار واشتهاءات عظيمة أدثرها وأخبئها، أراود أمنيات بأن القادم أفضل، وأحيانا أكون امرأة الخيبات، امرأة اللا شىء، بلا وجه، بلا ظل في المرآة، وانتظارات مؤجلة لحبيب قد يطوق يومي بالياسمين، يجلس تحت نافذتي، يخترع أسبابا لوجوده، قد يصنع مقهى من كرسي وحيد.. يجلس عليه فقط لينظر إلى زجاج يرتسم عليه ظل وجهي المتلصص عليه..
حبيبي، الذي لم أختره، الوقت والرغبة في عيش قصة حب وهمية قبل أن يعدو قطار العمر هكذا بلا تجربة، بلا كلمة حب.
أعلم جيدا أنه يعوض فراغ غياب زوجته ، التي تكون حاضرة في كل أحاديثنا، حين يتكلم عن اطفاله كأنه يتحدث عنها، هم يشبهونها كثيرا. هداني فضولي للتجول في صفحتها، لا أشعر بالغيرة، أعرف حدود العقد السري الذي بيننا.. عقد غير مكتوب لم ينطق به أحد، بنوده: لا صورة لنا تؤطر جدراني الباردة بفستان ابيض ورجل ببذلة سوداء، ولا حلم بسرير أكبر يتسع لاثنين.
سرير بحجم أحلامي، ونافذة مغلقة، وشرشف أبيض، وحقيبة تحمل قمصانا من الشيفون والدانتيل.
هو قال: إنه يحبهما.
أنا أفضل الحرير ناعما ورقيقا على جلدي الذى علته نتوءات الزمن، لا يهم له ما يحب فى عالمنا الأزرق، نحن اثنان لا ثالث بيننا سوى خطأ قد يجعل عالمي مخترقا، حياتي السرية ستصير مشاعا، سيتندرون على البنت المحافظة التي ترتدي الأسود منذ موت كل من لها، الوحيدة والمتفانية فى إرضاء الكل، تخشى الجارات على أزواجهن منها وتتحاشاها الصديقات حتى لا تنظر بعين الحسد إلى بيوتهن العامرة وأطفالهن الرائعين.
سيقولون : " عندنا كل الحق حين ابتعدنا عنها".
حبيبي حين قرر معاودة ثنائه المفتعل، كنت أكثر صدًا، تراجعت عن خوض التجربة حين طرأ على عقلي أن المتربصين قد يفعلونها ويتجسسون علي رغم كل الاحتياطات التي أخذتها من تغيير اسمي وصفتي وتغيير الباسوورد وجعله رمزا طويلا، كل ذلك لم يشفع لخوفي الذي وقف شاخصا طارحا كل الاحتمالات.
حبيبي الذي يضع اسما مستعارا يرى أنني أخلفت بنود شراكتنا، فأنا لم أعطه شيئا سوى إرهاقه المستمر فى الدوران حول ما يريده مني.
أرسل لي وجها حزينا .. أغلق صفحته للأبد.