مساحة إعلانية
تحتفظ المدينة وقراها..
بذاكرة قلّما أهملت أو سقط سهوًا من تاريخها, حكايات البعض ممن اعتادوا التّنقل بين الأزقة والحارات بحثًا عن الرّزق, بائع الأواني النحاسيّة مثلًا أو بائع اللبن
أو بائع الفول وصوت أجراسه كأنّها إشارة لاستيقاظ مبكّر لتناول وجبة هي الأشهر على الإطلاق بين العامة من النّاس, ومنهم عم شِحته الغرابلي( نداء اشتُهر به)
ذلك المُسن ذو الثّياب المهترئة ولون بشرته المتباينة, يعتمر طاقيّة صوفيّة تُخفى الكثير من شيب رأسه وقد انحسر على جانبيه, وشال بنّي قصير يطوّق رقبته, يحمل بعض الإطارات الخشبيّة وبعض أدوات صِناعة الغرابيل (المَنْخُل) فلا يوجد منزل إلا ويحتفظ بواحد أو اثنين على الأقل لتعدد الاستعمال في تنقية شوائب الملوخيّة الجافة أو الدّقيق والفريك.
صباحًا يقطع طرق المدينة طولًا وعرض بحثًا عن أفضل الأماكن التي قد تحتاج
ربّات بيوتها لعمل غرابيل, بالقرب من عتب احد البيوت, وفي مكان يأمن له متابعة عمله دون أن يسبب ضيقا لأحد, يفرد قطعة قماش خفيفة على الأرض بعد تنظيفها من الحصى, يُرتّب اولويّات عمله بِصنع الإطارات الجديدة أولا ثم إصلاح ما تلف لديهم بفعل الزمن.
بعد طول انتظار ومُعاناة بين الأطباء شرقًا وغربًا, وصولًا لبعض الخُرافات التي يتناقلها البعض عبر تاريخ طويل من الوهم, رُزق بطفل أزاح بطلعته ظُلمة السّنوات وقسوتها, كثيرًا ما اصطحبه معه لتناول بعض الحلوى التي يُحبّها, يُتابع حركة المارة من الأطفال, يُشاركهم اللعِب في تلك المنطقة كأنّه احد أبناؤها, ولمّا كان له شغف محاولة تقليد والده, وسماع كلمات الاستحسان على صنعته, كانت المفاجئة أن زجره والده بعنف حتّى لا يجرح براءة طفولته بمهنة قاسية.
النساء هن الأوفر حظًّا بالحديث معه, لا سيّما تردده على تلك المناطق جعل منه الخبير ببعض أسرار البيوت, والتزامًا بواجب الضّيافة, كوب من الشّاي قد يُعيد إليه بعض حيويّته بعد راحة قليلة, صوت أم كلثوم من إذاعة الأغاني, يأتي حالمًا رقيقًا من راديو صغير اعتاد أن يُصاحبه في رحلاته, وما بين قفلة وأخرى تخرج منه آهة تنتزع ابتسامات البعض من النّسوة, وبسؤاله عما اذا كانت له قصّة حُب؟ مبتسمًا يُجيب: الأغاني الجميلة هي رائدة فن استدعاء الذّكريات, شاخِصة بوجوه أصحابها كأنّما هم أحياء لم يغادروا الدنيا بَعْد, في إشارة منه لوفاة زوجته التي ظلّت تُعاني مرضًا عُضال لسنوات, لا يخلو الحديث من ذِكر ابنه ورغبته في أن يكون طبيبًا,
إذا ما استرعى انتباهه عودة التّلاميذ من مدارسهم, يحملون الحقائب وعلى الوجوه ابتسامة, وما أن تميل الشمس إلى الغروب, لا سيّما وقد أنهى ما لديه من عمل ممّا يُعزز رغبته في الرّحيل, انتظارًا ليوم جديد ورحلة أخرى بين الأزقّة والشّوارع.
مازالت المدينة تحتفظ بتلك الذّكريات واصحابها, وكأن الحياة أرادت له أن يظل شاهِدًا لها, منزل طيني عتيق, يضيق صدرك بانسحاب الهواء من داخله, يبدو كوجه دميم إذا ما تأمّلت وجه البنايات من حوله في حداثتها ورونقها, أو قُل هو خروج عن المألوف من الجمال, تشققت جدرانه إلا من جهتي الشرق والغرب, اتكأ عليهما
ليظل عجوزًا لم يمت, وألم لم يزول.
وبخطوات إسفنجية تحسس المكان بعد غُربة دامت لسنوات, دار برأسه يمينًا ويسارًا, تُزكمه رائحة الرّطوبة, إلا أنها أنفاس والده وابتسامته, كانت الحُضن الوحيد الذي
أتى من اجل أن يُعانقه, تأمّل صورته على الحائط يحمله بين يديه, وأخرى لأوّل يوم دراسي, أصر والده أن يلتقطها له بنفسه, اقترب رويدًا من الصورة وبيد حانية مسح بعض الأتربة العالقة بها فازدادت جمالًا, وإذا بوالده شاخِصًا أمامه, عاجله وكأنّه يقرأ من رسالة بين يديه بقوله: توارثت مهنة والدي وأحببتها رغم قسوتها, إذ لم يكن أمامي غير ذلك, اعتل والدي بعينيه وأصبح غير قادر على العمل, قاطعه: كنت أريد مساعدتك يا أبي, أومأ والده برأسه إلى احدى الصور يحمل فيها بعض الإطارات
الخشبيّة إلى جِوار والده ثم استطرد قائلاً: كنت لا أُريد لك أن تُصبح نسخة أخرى لمتجوّل على قدميه في مهنة شاقة, مساعدتي هو ما أراه الآن أمام عينيّ, حُلم تحقق, وما إن حاول تطويقه بكلتا يديه, سقط احد الإطارات المُعلّقة إلى جِوار الصّورة, ليجد نفسه وحيدًا, أرّقت سماوات عينيه بعض الدّموع, ومن جوف حقيبته سحب احدى الأوراق, وبخط يده ملأ فراغها الأبيض بكلمات (دكتور/... الغرابلي) ثم قام بتعليقها إلى جِوار صورة والده.