مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

منبر

المبدعون

قراءة نقدية :قبر مكشوف على السماء.. بين الحرب والحب في رواية وئام شرماطى

2024-11-07 01:10 PM  - 
قراءة نقدية :قبر مكشوف على السماء.. بين الحرب والحب في رواية وئام شرماطى
الناقد والقاص محمود قنديل
منبر

بقلم : محمود قنديل

في روايتها المعنونة بــ "قبر مكشوف على السماء" تشق الكاتبة الجزائرية "وئام شرماطي" طريقًا خصيبًا في عالم الفن الروائي الجميل؛ ترصد بشاعة الحرب ومشاعر الحب، تسبر أغوار النفوس المتشرذمة، وتبحث عن مساحات النور بدواخلها وأمكنة الظلام، تتناول الموت كظاهرةٍ ميتافيزيقية لا يمكن تجنبها أو الفرار منها، تسلط الضوء على الفقراء والمهمشين والمعدومين، تُفسِّر – فنيًا – معنى الحُب بسلطته وسطوته، تخوض غمار السرد بحِسٍّ مسؤول، وترى في مشهدية الواقع بؤسًا وظلامًا.
كاتبتنا تمتلك موهبة حقيقية وواعدة؛ تُبَشِّر بمستقبلٍ مشرق يضعها في مكانة مهمة - تليق باجتهادها وجهودها - على خريطة الإبداع الراقي.
ويُحْسَب لها قدرتها على قيادة التدفق السردي بطرائق تمكنها من الانتحاء ناحية شطرٍ من التجريب نطمح إلى تأصيله عبر كتاباتها القادمة.


تستهل "وئام شرماطي" نصها الروائي بإهداءٍ ذي دلالة، وعلى غير المألوف يكون الإهداء موجهًا من بطل الرواية لا من الروائية (أهدي هذا الكتاب الذي أنا بطله، بعد أن منحتني كاتبتُه ذلك الشرف، كجائزة ترضية، عقب اكتشافها أنها لصفحاتٍ لم تمنحني شيئًا سوى الألم، إلى جميع البشر على سطح الأرض الذين لا يزالون يُطيقون العيش في بيت الرعب هذا؛ الذي يُدعى الحياة)، ويُمهِر البطل الإهداء باسمه (عيسى منصوري).
هذا الإهداء يمثل موقفًا فكريًا  من صاحبه تجاه الواقع المعيش، وكأنه يمهد لنا سُبُل العالم وممشاه قبل الخوض فيهما.
وحقيقة الأمر أن عيسى لم يكن البطل وحده، بل شاطرته البطولة "رحيل" أو الكاتبة، بظهورها بين الحين والآخر، لتنير أفضية النص وتعلن عن حقائق مخبوءة في أعماق التاريخ والجغرافية (الاحتلال الفرنسي للجزائر)، وما لقيه من مقاومةٍ باسلة أجبرت الفرنسيين على الانسحاب إلى غير عودة.


والكاتبة أو "رحيل" – إزاء الحرب والقتل والرعب – تُبْدي تمردها تجاه الحياة المعيشة بقولها: من المخيب أن نبقى في عتمة الرحم تسعة أشهر، نتحرق شوقًا لرؤية النور، فنخرج، ونكتشف أن الحياة أكثر عتمة ووحشة من الرَّحِم بمرات.
وقد سبق هذا الموقف التمردي موقفًا أكثر قسوة؛ حين حاولتْ الانتحار وهي في رحم أمها رفضًا للميلاد واعتراضًا عليه (حاولتُ أن أنهي حياتي عندما أحسستُ أن موعد خروجي إلى الحياة قد اقترب. لففتُ الحبل السري حول عنقي، وانتظرتُ أن أختنق، كنتُ سأنجح لكن الأطباء أحبطوا محاولة انتحاري، وبددوا فرصتي في النجاة إلى الأبد). ص11
لقد بدأتْ حياتها بالعيش في مقبرة (كان العيش في مقبرة بمثابة الموت وأنتَ على قيد الحياة. لم نكن نختلف عن أولئك الموتى في شيء).ص20 
ورغم مشاهد الحرب والإرهاب إلا أن وقائع الحُب لم تغب عن سماء النص، وأن الحُب لا يعير اهتمامًا لروح العداء، فوالدة عيسى فرنسية ووالده جزائري؛ ومع ذلك ساد الحب بينهما وأسفر عن ميلاد عيسى، ذلك الطفل الذي هجرته أمه إلى وطنها "فرنسا" بعد اتفاقية "إيفيان" التي بموجبها تم وقف إطلاق النار ووضع حدٍ للحرب هناك.
ويسود الشقاق بين الولد وأبيه فيسافر عيسى إلى فرنسا بحثًا عن الأم، وكأننا بصدد نوعًا من السلام تسعى الكاتبة إلى ترسيخه، وكأنها تود أن تقول للمتذوق العربي: إن المشاعر الإنسانية أقوى من شوائب الكراهية التي تنتجها الحرب والاحتلال، وهي – في ذلك الأمر – تحاول الإعلاء من شأن الإنسان بصرف النظر عن اختلاف الدين واللغة واللون.
إن عيسى المنصوري قدمته لنا أديبتنا كشخصٍ غير سوي، ربما يعاني من مرض نفساني جعله مجرمًا، وتأخذ "رحيل" موقف "الشاهد والشهيد على ما يدور من أحداثٍ جِسام، ومع كل ذلك تريد "رحيل" عيسى المنصوري أنيسًا ومؤنسًا لها، فتقول له في نهاية الرواية (أرجوك خذني معك، أنا مثلك ليس لديَّ أحد، أمي وأخي لم يعودا موجودين، أما أبي فقد تزوج مرة ثانية، هو وجدتي لا يحبانني، وزوجته كذلك. انظر! إن قصتي تشبه قصتك كثيرًا، أرجوك لا تتركني، أنا لا أريد البقاء في المقبرة، سيكون كلانا مؤنسًا للآخر).ص349
وتأتي المفارقة كنهاية لهذه الرواية (نظر إليَّ، وقال: في رأيكِ، هل يمكن لفراغين أن يملأ بعضهما البعض؟).
وكأننا – هنا -  أمام رؤيةٍ عبثية أو عدمية، تفسر لنا ما سردتْه الكاتبة – في بداية النص – من محاولة انتحارها وهي مازالت في رحم أمها.
لقد صاغت "وئام شرماطي" روايتها بلغة سديدة، ونجحت في التعبير عن عوالمها بحسٍ مرهف، واستطاعت جذب ذائقة المتلقي عبر التشويق الذي بثتْه خلال الصفحات، ربما كنا – فقط – في حاجة إلى بعض الاختزال الذي لن يؤثر – بدوره – على بناء الرواية، وربما كنا نطمح إلى تعميق التبرير الفني أكثر لبعض الأحداث، إلا أننا – في كل الأحوال - نرحب بأديبتنا الجزائرية "وئام شرماطي" في ساحتنا الأدبية العربية كنجمة ساطعة لن تخبو بإذن الله.

مساحة إعلانية