مساحة إعلانية
أشرف فريد .. حكّاءٌ ماهر.. حزينٌ ساخر
اللقمةُ المغمسة بصهد الشمس في قرية بصعيد مصر مسكونةٍ بالحكايات والخرافات والجد والهزل، والتطرف في الحب والكره، والدموع الممزوجة بالفرح على جسور من تراب البلاد البعيدة، والترع والمصارف التي يجري ماؤها بهموم المهمشين وأحلامهم الصغيرة، والعفاربت التي تخيف الجنوبيين الصغار وبعض الكبار "لكن لا وجود لها إلا في خيالاتهم"، والعركةُ الحامية بين أبناء النجع على أتفه الأسباب، ونتيجتها دماءٌ تسيل وقلوبٌ تحترق، والنخلة الهيفاء "طاف عاشقان حول جذعها" قبل أن يرجمهما بعقاب قاسٍ شيخ خفر القرية، والعمدة الذي يعلو صوته بالأوامر والنواهي، والجواميس والأبقار والأغنام ترعى وترتع صانعةً رزقاً للمزارعين المتعبين، وتناقضات القرويين "ما بين شجاعة مذهلة ونكوص مذل"، وما بين طيبة إلى حد السذاجة وبين مكر ودهاء إلى حد الشر والأذى، والجنازات الملأى بالحزن الصادق والمشاعر المصطنعة ..والبكاء والضحك من جموع الخلق السائرين خلف النعش المسرع إلى مثواه الأخير.. كلها مشاهد وأحداث وتباريح ووقائع يسردها أشرف فريد في كتابه "دكانة حواديت" الصادر مؤخراً عن الدار المغربية المصرية، والذي يشتمل على 18 حكاية واقعية، أبدع الكاتب في سردها بأسلوب مشوق بديع، وفي لغة بسيطة شفافة استطاع سبك "سيرة ذاتية" تمثل صورة لشريحة كبيرة من حياة أهلنا في قرى الصعيد النائية.
ولو أراد الكاتب واجتهد قليلاً في الصياغة والبناء والحبكة لأصبحت حكايات الكتاب قصصاً قصيرة بديعة، لكنه اختار السرد المباشر والحكي السهل الممتع المغلف بالألم والأمل والسخرية والرزانة والجد والهزل -من دون ثقل فني مبهر-، فهو إذن في كتابه "حكّاءٌ بكّاءٌ .. وحزين ساخر".
وفي مقدمته للكتاب لخص الأديب عبدالصبور بدر شخصية أشرف فريد بقوله" إنه يقدم الحكايات الصعيدية على طبق كوميدي وحزين في آن" ..
وبتأمل عناوين "دكانة حكايات" ترتسم قرية الرحمانية "مسقط رأس الكاتب" بترابها وناسها وأشجارها وقراميط ترعها ودهاليز دروبها وآمال ناسها وآلامهم.. فمندرة الشراقوة شاهدة على الأفراح والأحزان، لكن مشهد احتضار الأم ثم ترتيل القرآن على روحها في المندرة ينذر ببناء حكاء حزين وساخر في آن.. إنه حزن الحكيم المخضرم في تجارب الحياة والذي أُُترعت نفسه من خيرها وشرها فلم يعد يعبأ بمجريات أحداثها وتقلبات أيامها.
ثم تأتي حكاية "ود البت" الذي تيتم فرباه جده وكان يرضعه من ضرع العنزة مباشرةً حسب قوله، وفي بير الحاج سعيد نبع من حكايات عن الفتى الشغوف بتأمل نهود بنات القرية، ما حدا واحدة منهن أن تقسم لصاحباتها قائلةً" اعدم نضري ما بخاف عليكم من مصطفى كد ما بخاف من الواد الصغير ده.. عينه ميتة بيبصبص عليكم.."
وللعفاريت في دكانة الحكايات نصيب وفير .. إذ يسرد أشرف فريد جانباً من الخرافات السائدة في الصعيد " بأن كل من مات مقتولاً أو محروقاً أو غريقاً فلابد أن تظهر له عفريتة تخوف الناس" .. ثم ينتقل إلى الأعياد وطقوسها، وجوامع القرية وتاريخها ومجريات ما يحدث فيها من تصرفات أهل القرية ومنهم المستعجل الذي يريد إقامة الصلاة وأدائها سريعاً ليذهب إلى حال سبيله .. " فإذا كنت مستعجلاً فما عليك إلا أن تتنحنح نحنحة بسيطة حتى يزوم كبار السن قائلين" ويه أمال هنبيتوا هنا .. ما تقيم ياواد الصلاة" .. ومن المزاح والسخرية والفكاهة إلى مرارة الألم والحزن الراسخ في قلوب الأمهات الثكالى واليتيم الذي يناديه أهل القرية " ياواكل ابوك" يلخص أشرف فريد سيرة حياة أهل القرية وعاداتهم وطقوسهم وطبيعة المجتمع الصعيدي الزراعي العائش في القبلية والوهم والأساطير وتلاشي مساحة الخصوصية تحت وطأة دس أنوف الكل في حياة الكل والفضول إلى حد التلصص بلا جدوى.
لكن "دكانة الحواديت" تعرج أيضاً على نماذج بشرية طيبة وحكيمة تبزغ على مسرح حياة أهل القرية .. بجانب عادات التضامن والتكافل والشهامة والشجاعة والمواساة في المصائب والأحزان.
وفي ارتحالات الحياة تتبدى سيرة الصعيدي الذي ارتحل إلى القاهرة وبهرته أضواء المدينة الصاخبة وأخذت بلبه بناتها .. لكنه راسخ في لهجته الصعيدية وتقاليده التي سافر محملاً بها... كما يسرد جانباً من ارتحاله إلى السعودية ومشاهداته وعلاقاته بأهلها بجانب اشتباكاته مع بني جلدته في الغربة.
أشرف فريد حكَاء بارع، ومجبول على الحكي والفضفضة بلا تصنع، وساخر من الطراز الفريد، لا ينقصه سوى التمهل وإنضاج ملكة الحكي على "نار هادئة" ..ومع قليل من "الخبث الفني" سيكون كتابه المقبل أكثر جودةً وأقل ترهلاً بعيدأً عن الحكم الجاهزة والمواعظ التي لا جدوى منها في "دكانة الحواديت" ..
* الكتاب صادر عن الدار المصرية المغربية للنشر والتوزيع.
