مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

منبر

المبدعون

قراءة في قصة "غيمٌ" للروائي محمود قنديل .. بقلم نبيلة حماني - المغرب

2026-02-27 10:23 PM  - 
قراءة في قصة "غيمٌ" للروائي  محمود قنديل .. بقلم  نبيلة حماني - المغرب
الكاتبة والناقدة المغربية نبيلة حماني
منبر

الكتابة عالم من الجمال، يأخذنا إلى مجراته البعيدة الوضيئة الوهاجة، فنكتشف عوالم من السحر والبهاء، ونحيا حيوات أخر، فننطلق في سماواته آخذين مأخودين لآفاق النور والوضاءة، نقطف النجوم ونجلي البهاء، وننير ما قد أظلم في عوالمنا، نكتشف مروج الجمال الرباني في أنفسنا وأرواحنا، وما قد وضعه الإله في أعماقنا، عوالم ما كنا لنصل إليها وترتع في بهائها لولا فعل الكتابة والقراءة، هذا الفعل الذي لا يصله إلا من غاص في آفاق نفسه والآخرين، في روحه ونفسه كشفًا وتنقيبًا وتمحيصًا وتعمقًا وتـأملًا، لتنجلي له الدرر الخفية، والكنوز الربانية، التي وضعها الإله بأعماقنا، والمبدع يكشف عنها ويجليها ويصورها  ليتشاركها مع الآخرين فتكون سبيلًا لأن يخرج من روتين الواقع لفترة وأن يعبر عنه بلغة أخاذة، وطريقة تبعدنا عن الشائه والكالح وما مزقته النوازع والأنانية والأحقاد فينا، وشوهت جماله الرباني ...  الكتابة لحظة ندخل بها عالمًا من السحر والجمال أودعه الله بأعماقنا، فنتحرر وننطلق وننسلخ عن القيود والواقع الصعب وإن كنا نصوره بكل حيثياته بلغة خاصة يوشيها الجمال،  لكن بطريقتنا وأسلوبنا و رمزية تشير ولا تفضح، وإيحاء يومئ ولا يصرح، يعلمنا ويرشدنا ونأخذ منه العبر، فينجلي فيه ما قد لا نراه في ظل السرعة والصخب الذي نحياه ويحيانا ..

الإبداع حرية وترسيخ للقيم في أغلب مناحيه، شفاء للروح، ولوج إلى آفاق النور اللألاءة، ابتعاد عن اليومي الشائه والكالح، ودخول إلى آفاق السمو والرقي والإلهام الرباني، الذي إذا لم يعرفه الإنسان، بالتأكيد تكون حياته مبتورة وخالية من هذا السمو والجمال، موعودة بالملل والسأم والنظرة المحدودة القاصرة التي لا تدرك كنه الأشياء ..

من هذا المنطلق ومن هذا الإيمان بسمو الإبداع تهيأت لي الظروف الزمانية والمكانية للاطلاع على نص أقصوصة قصيرة من إبداعات الكاتب المصري الكبير الروائي والناقد والإنسان "محمود قنديل " والتي وضع لها عنوان " غيم" هذه العتبة التي تغري بولوج النص وعوالمه الفسيحة و التي تدل على تكثيفه ..." غيم" هذا الإسم المعطاء، الموحي بدلالات الخصب والنماء، الموحي بالحياة  واستمراريتها، وما يسعى إليه كل الخلق على هذه البسيطة، فالغيم إشارة ورمز لانهمار الماء، للمطر الذي يحيي الأرض بعد الظمأ، للماء الذي قال عنه رب العالمين " وجعلنا من الماء كل شيء حي" صدق الله العظيم، للماء الذي هو رمز الحياة خاصة وأن العنوان جاء على صيغة الجمع "غيم" الذي مفرده غيمة والقصد هنا أن الغيم كثيف وكثير تلبدت به السماء، هذه السماء الواعدة بالمطر والجمع هنا له دلالة على الوفرة التي تمنح الخصب والرفاه واليسر بعد موسم ماطر كثير الغيم الذي تلبدت به السماء ، والسماء هنا قد تكون حقيقة وقد تكون رمزا ..

 وعلى العموم يظل الغيم إشارة للماء والانهمار، ولوجوم السماء وإيذانها بماء غزير، سيكون وعدًا بحياة جديدة وموسم جديد ..

كثيرًا ما كنا نتأمل السماء في الطفولة فنرى هذه الأكوام من الغيم ترسم في السماء لوحات مبهرة، وكثيرا ما كنا نسرح بخيالنا لنفسرها فنراها بوجوه الحياة المختلفة حزنًا وفرحًا، جَدًا ولعِبًا، وكثيرًا ما كنا نصنع منها عوالم من الدهشة، فنراها وجوها لأناس نعرفهم ونراها لوحات فنية جميلة مبهرة، تارة ترمز للبشاعة وتارة للحسن والجمال، وتارة لما نرهبه ونخشاه، وكثيرًا ما كنا نلج عوالم الخيال فيها فنرانا على صهواتها البعيدة تسلقناها بحبال لا مرئية في أعماقنا، أو بسلاليم أخذتنا للغيم فجبنا الآفاق ونحن في قمة الفرح والانبهار .. وكذلك قد يرمز الغيم لحالة مزاجية لدى البعض فيكون علامة على الحزن وعلى تكسر الأحلام، وعلى الخيبات  التي تجعل الوجه مكفهرًا حزينًا ما يؤذن بانهمار الدمع والحزن العميق الذي يظهر أثره  خاصة على المحيا فيخبر دون كلام، ويشير دون إفصاح، وفي كلا الحالتين يبقى الغيم إيذانا بانهمار عميق للماء الذي هو رمز للطهر والنقاء والصفاء  وما يمحو الأدران ويزيل الشوائب ..

كما أسلفت في مجرى الحديث عن "الغيم" هذا العنوان الرمز، الذي هو أكثر ارتباطًا بالطفولة وحب الحياة  وما ننبهر به فيها من أشياء تكون لغزًا،  نحاول كشفه ومجالًا للعب والمرح وإشارة للبدايات والأحلام الوردية، الطفولة التي لا نرى فيها إلا عالمًا من الجمال والفرح، والطفولة  هنا قد تكون حقيقة وقد تكون رمزًا وإيحاءً، طفولة الأشياء، وأقصد بها بداياتها الوردية الجميلة، التي نحاول أن نصنع فيها الفرح وأن نجده ولو كان وهما، كما نحاول إقناع أنفسنا بأننا فعلًا وجدنا السعادة، التي تظل غاية وهدفًا نحيا لأجله في هذا العالم الملون بكل الألوان ...  وأننا لن نضل بعد الذي حققناه .. فتكون الصدمة والعودة للواقع كسرًا يطال المقيدين على حيطان الوهم من الرأس إلى أخمص القدمين ... وهنا أ قول وانطلاقا من رموز قصة " غيم" إننا كثيرًا ما رأينا في الآخر كل "الغيم"وكل الخصب وكل العطاء الذي نحلم به، وكثيرًا ما تعلمنا أو علمتنا الحياة أنه النور الهادي وأنه نبع السعادة في هذا العالم الذي نرتطم فيه بالأشياء فنتألم في صمت ولا نفصح .. نظن أن هذا "الآخر" هو الخلاص والأمان  والحب السرمدي الذي نبحث عنه، فنركب غيمات الأحلام  ونعتلي صهواتها باسم حروف الهجاء، التي تنقش في أعماقنا، وعلى وجوهنا وعلى  شفاهنا، وفي كلماتنا إن كان عن قصد أو غير قصد .. بل وحتى في إيماءاتنا ودموعنا المنهمرة من غيم الروح والقلب، لأشخاص معينين، نراهم أطياف السعادة تمشي على الأرض، وسر الحياة ونبع الفرح فيها، وربيع الفصول الذي ننتظر قدومه بكل ما في الروح من حب وأمل .. فيكون لحروف الهجاء معنى في أرواحنا قبل أي شيء آخر،  خاصةً وأن هذه الحروف مكوناتها "ألف وحاء وباء وكاف"، لتكون كلمة نحيا لأجل أن نحقق معانيها في أنفسنا وفي أرواحنا وفي واقعنا بخاصة حرفي " حاء" و باء"هذين الحرفين الذين نلهث وراء تحقيقهما في الوجود والحياة واليومي الذي انحنى ظهره لكثرة ما أثقل به من أحمال ومسؤوليات ينوء بها واقعنا وتصبر عليها ذواتنا، فنسعى لان نتخلص من أعبائها بتحقيق "الحب" صدقًا وواقعًا في وجود تراكمت فيه الخيبات والأحزان وضاع الحب ، وأصبحت المصالح وحب الذات والسعي للوصول دون وجه حق، أغلب ما يحرك ديناميته ورحى الدوران فيه .. فهل يا ترى نعثر عليه ؟؟؟

سؤال مطروح على قارعة النص ومضامينه الإيحائية ...  هما حرفان يوجزان  قاموس الحياة بأكملها  "الحاء والباء" لأن أهم ما يحمي الوجود، ويقيم الحياة، هو ارتباط الحرفين في لحمة دائمة، تدمغ على أرواحنا تصل أحاسيسنا ومشاعرنا وتحمي كياننا  من عواصف الحياة العاتية التي لا تبقي ولا تذر، في ظل ضياع وتشردم وطغيان الأنا وحب الذات ، لذلك كان الحب العمود الفقري لاستمرارية الوجود ، فلولا حب الأم لابنائها وإصرارها على لحمة الحروف الأربعة، لما ظل لنا وجود، ولكُنا نسيًا منسيًا، تذروه الرياح على عتبات الأديم، ولولا حب الأب لما بزغت ابتساماتنا التي تقول نبادلكم حبًا بحب، ولولا حب الرفاق والأصدقاء في الساحات والملاعب  والمدارس، لما تعلمنا ولما هرعنا مسرعين لتغيير واقعنا وأنفسنا وصورنا النمطية،  لنعطي لمن نحب عالمًا جميلا كل بإمكانياته وطريقته ...  ولولا نشوة التعلق بالجمال في الوجود وهذا الحس الذي يدفعنا للتشبث بالحياة، لما رأينا الآخر جميلًا، يستطيع أن يحضن تعشقنا للجمال وللاحتواء وأن يصير روحًا لنا في جسد آخر، نراه الأجمل على الإطلاق، ونعشقه بكل ما فيه، حتى العيوب قد تبدو لنا صورا من صور الجمال، ومدعاة للعشق .. تدفعنا لأن نواجه جيوشًا من الرافضين، والناقمين، ومن لا يدركون معاني حروف الهجاء الأربعة، أو أدركوها ولم يستطيعوا لها وصولا، ولم يكن لهم فيها نصيب، فحاولوا حذفها من الوجود ونسيانها بفعل أعراف كثيرة، وحجج لا حصر لها ...هذه الحروف التي استحالت في عرف المكلومين والمحرومين والناقمين واليائسين، ومن خبروا الحياة بعد طفولة منحتهم سعادة زيف، وجعًا، بؤسًا وألمًا لا قبل لهم به ... هذه الحروف الأربعة التي نُطِقت ذات حين، فلم تعن حقيقتها وكنهها ومعناها المقدس، كانت أملًا فاستحالت ألمًا، تغيرت معانيها لتكشف الحقيقة الموجعة، فالألف ألفة مفقودة بين من اعتبرناهم خلاصًا ومرفأ أمان، ولا أدل على ذلك من "الماء" و"السمك" الذين لا يفصل بينهما فاصل ولا يفرق بينهما إعصار ومع ذلك ضاعت الألفة بينهما ... ألفة ما عدنا نجدها إلا في خلوة بيننا وأنفسنا المنهكة، على ضفة لحظة سعادة لم تتحقق حتى في الأحلام، إذ سرعان ما يُكشف الزيف، وتغرق على سفينة أحلام مخرومة، تغرق بين لجج الواقع والحقيقة التي تظهر مهما كانت محاولات إخفائها ...  أو على أمل ظل يركض بنا إلى حفرة ضياع وتيه ...

أما "الحاء" فكانت إيقاظًا لبركان طالما حاولنا إخماده بأعماقنا، لكنه ظل ثائرًا قويًا لم يزد إلا انفجارًا بدواخلنا المحترقة، بل أحرق كل ما حولنا من زرع وأمان ..

وهذه "الباء" القابعة بين أعيننا تعيث في الروح خرابًا بمعاول التدمير والتكسير والهدم، كزلزال طال كل جارحة خامدة فينا، لم يكن إلا هدمًا لكل الزمن الذي بنينا فيه صرح آمالنا على رمال الخيال وجذوع النخل الخاوية ..

وتبقى "الكاف "وهي الأعظم أثرا فينا لأننا غرقنا في خيباتها فضاع أمل القرب منها والسكون إليها كما كان في الماضي القريب أو البعيد، عهد الطفولة الذي أبان عن سذاجة أحلامنا التي طوحت ببسماتنا الزاهية وأحالتها نذوبًا في عيوننا الخابية، وجراحًا لا تندمل بالحكي أو الإفصاح، ووجودها الذي حسبناه مركز حياة، كان بعضًا من هوامشها الضيقة والمنسية التي لا يعيها سوانا ...

هذه الحقيقة التي نتأملها ونتيقن منها، وندرك من خلالها أننا هزمنا الزيف الذي تسترت به، لأن الوعي فينا أصبح حاضرًا مواجها، صارخًا بالوجع الذي تكبدناه لأجل لحظة صدق، لم يقدرها الآخر، وأمل تمكن من أرواحنا فنسينا وتجاهلنا كل شيء راكضين خلفه ... وبعد أن صرنا راشدين، علمنا أنه سراب ووهم دفعنا ثمنه باهظًا من عمر مسروق وحزن تربص به فأمات الأمل فينا ... ومهما كانت منا محاولات الإنقاذ يبقى  النسيان عصيًا يشق آمالنا الواهية ويعيدنا لمراسي الوجع والخذلان، لتكون الخيبة رفيقنا حقق نبوءة حروف الهجاء الأربعة، :" ألف، حاء، باء، كاف "...

ويظل النسيان من جديد عزاء، قد يتاح أحيانا وقد يعيد المواجع فتية، صارخة، مدمرة، في أحايين أخرى ... فهل ترانا ننعم بالنسيان، ذلك حلم آخر نمتطيه وقد يستعصى تحقيقه في هذه القصة القصيرة التي حملت من الدلالات الرمزية ومن الصدق والواقعية الشيء الكثير، فهي ترمز دون أن تفصح وتشير دون أن تصرح وتوحي بكوامن لا يطل عليها إلا من قرأ وتمعن في حمولة النص وثناياه البديعة، لغةً وأسلوبًا وحوارًا وسردًا ووصفًا وعقدةً وحلًا وشخوصًا أدت بمنتهى القدرة على الإيصال وتحقيق المتعة والدهشة للمتلقي.

مساحة إعلانية