مساحة إعلانية

منبر

محافظاتنا

في يوم الوفاء لايمان دعبس ..حضر الجميع العزاء وغاب من كان مفروض منه العزاء

2026-07-18 09:06 PM  - 
في يوم الوفاء لايمان دعبس ..حضر الجميع العزاء وغاب من كان مفروض منه العزاء
المعلمة الفاضلة الراحلة ايمان دعبس

بقلم علاء أبو إبراهيم
انطفأ السراجُ النحيلُ في زاوية العمل، فبقيت مقاعدُ الإدارةِ الوثيرةِ باردةً لم يهزّها زلزالُ الموتِ الذي تجاهله أصحابُ الياقاتِ البيضاء. غابوا.. غاب قياداتُ التربيةِ والتعليمِ بدمياط كغرباءَ عند القبر، ليُثبتوا أن كفَّ الموظفةِ لديهم ليست سوى آلةٍ تُعصر، ولتُعلنَ الإنسانيةُ برحيلها أن جحودَ البشرِ قد فاق صمتَ القبور!
حينما توارى جسدُ الأستاذة "إيمان دعبس" الثرى، تلاشت معه آخرُ أقنعةِ الإنسانيةِ المزيفةِ في أروقةِ مديرية التربية والتعليم بدمياط؛ فالمقاعدُ المخمليةُ التي طالما جلس عليها مسؤولو العمل بَدَتْ خاويةً في عزائها، وكأن الموتَ اشترطَ رتبةَ "رجلِ أعمالٍ" أو جاهَ نفوذٍ لكي يستحقَ صاحبُه واجبَ العزاء! لقد غابوا جميعاً.. غاب الدرجاتُ العليا الذين ملأوا الدنيا ضجيجاً بشعارات "الجسد الواحد" و"العائلة الوظيفية" طوال سنوات عطائها؛ ليُبرهنوا برحيلها المؤلم أن الموظفَ المحترمَ في قاموسهم ليس إلا رقماً عابراً في كشوف الحضور والانصراف، ينتهي وجودُه بانتهاءِ صلاحيتِه الجسدية.
أيُّ جحودٍ هذا الذي يجعلُ مسؤولاً يستكثرُ خطوةَ مواساةٍ لأسرةٍ مكلومة؟ وأيُّ قسوةٍ متجذرةٍ تلك التي تُحوّل صروحَنا التي ترفع لافتة "التربية" قبل "التعليم" من محاضنَ إنسانيةٍ تربوية، إلى آلاتٍ صماءَ تدوسُ على كرامةِ العطاءِ حتى عند أعتاب القبور؟!
أيها القابعون على كراسيهم في محراب "التربية والتعليم".. تصلكم هذه الكلمات مغلفة بمرارة الفقد، ومصحوبة بعتب شديد يتجاوز حدود اللوم الإداري العابر، ليدقَّ أبواب ضمائركم الإنسانية المستترة. إن الموظف البسيط لا يطلب من إدارته تخليداً، بل يرجو تقديراً حياً، ولفتة إنسانية صادقة تصبّر أهله المكلومين عند الرحيل. 
إن كرامة الموظف من كرامة المؤسسة التي ينتمي إليها، ومَن استكثر بضع دقائق ليواسي عائلة امرأة أفنت عمرها في خدمته، إنما يعلن إفلاسه الأخلاقي قبل الإداري!
لقد ترك هذا الغيابُ الجماعي غصةً حارقةً في نفوسِ زملائها؛ في قلوبِ الأحياءِ قبلَ الأموات، وجعلَ الجميعَ يتساءلُ بمرارة وأسى: "هل سنكونُ مجردَ أرقامٍ تُشطبُ بجرةِ قلمٍ من كشوفِ الحضورِ والانصرافِ يومَ نرحل؟!
والله ثم والله لن يضير "إيمان دعبس" في قبرها غيابُ مدير، أو اعتذارُ وكيلِ وزارة؛ او عقد اجتماع مجلس اباء في نفس التوقيت وعدم تبكيره او تأجيله لحضور مراسم العزاء فقد أفضت إلى ربٍّ كريمٍ عادل لا يُظلم عنده أحد، ولا يسأل العباد عن درجاتهم الوظيفية ولا رتبهم الإدارية، لكن الخسارة الحقيقية تقع في جعبة تلك المؤسسات التي خلعت ثوب إنسانيتها؛ فالإدارة الحقيقية ليست مجرد كراسي جلدية، ولا توقيعات جافة على الورق، بل هي مواقف، وقيم، وجبرٌ للخواطر.
غادرتنا الأستاذةُ "إيمان" بجسدِها الطاهر، تاركةً وراءَها فراغاً لم تسدَّه مآقي الكلمات، وغياباً كشف عورةَ القلوبِ الصمَّاء. 
لم تكن رحمها الله بحاجةٍ لبضعِ دقائقَ من وقتِكم الثمين، فقد احتضنها ترابُ الأرضِ بوفاءِ طينِها الذي عجزت عنه بروتوكولاتُكم الجافة! رحلتْ "إيمانُ" وبقيتْ أعمالُها وسيرتُها العطرةُ تنبضُ بالصدق، بينما بقيتْ كراسيُّكم العاجيةُ باهتةً، شاهدةً على موتِ المشاعرِ فيكم قبلَ موتِ الأجساد. 
نامت عيناها بسلامٍ واطمئنان، واستيقظتْ في نفوسِنا حقيقةٌ مريرة: أن الصدقَ قد يُدفنُ تحت الثرى، وأن التجاهلَ يتبوأُ اليومَ صدارةَ مجالسِكم.
ختاماً، إن هذه الصدمة الأخلاقية يجب ألا تمر دون مراجعة حقيقية لسياسة 'المنفعة والمصلحة' التي باتت تحكم علاقة الجميع إن كرامة الموظف في حياته وبعد مماته هي المعيار الحقيقي لنجاح أي قيادة، ومن استكثر خطوة مواساة لأسرة مكلومة فقدَ أهليته القيادية وإن ملك أعلى المناصب. 
تذكروا جيداً واعلموا أن التاريخ لا يرحم، وأن القبور يتسع ترابها للجميع، وعند الله وحده تلتقي الخصوم، وتُردُّ المظالم، وتنكشف العورات الأخلاقية التي سترتها ياقاتكم البيضاء
نأمل أن يكون هذا الغياب الصادم درساً يوقظ فيكم الإنسانية التي غيبتها الحسابات، فالمؤسسات العظيمة تُبنى بوفاء قادتها لا بجدرانها الصماء.

مساحة إعلانية