مساحة إعلانية
تقرير: عبد الرحمن الجلوي
في كرة القدم، هناك صفقات تقاس بقيمة اللاعب داخل الملعب، وأخرى تمتد قيمتها إلى ما هو أبعد من الخطوط الأربعة. وانتقال محمد صلاح إلى طرابزون سبور ينتمي إلى النوع الثاني؛ فالنادي التركي لم يحصل فقط على نجم عالمي، وإنما حصل على اسم قادر على صناعة حالة جماهيرية وإعلامية تتجاوز حدود المستطيل الأخضر.
صلاح، الذي أنهى مسيرته مع ليفربول بعد تسعة مواسم، وقع مع طرابزون سبور عقدا لمدة عامين، في صفقة أعلن عنها النادي في أغسطس 2026، وسط اهتمام جماهيري وإعلامي واسع. وتشير التقارير إلى أن الاتفاق يتضمن أيضًا نسبة من مبيعات المنتجات التي تحمل اسمه، وهو ما يكشف حجم القيمة التجارية التي يمثلها اللاعب إلى جانب قيمته الفنية.
لكن الأهم من قيمة العقد نفسها هو ما يمكن أن يصنعه اسم صلاح لمدينة طرابزون. فمع وصول لاعب بحجمه، لم تعد الكاميرات تبحث فقط عن الملعب والتدريبات والمؤتمرات الصحفية، وإنما أصبحت المدينة نفسها جزءًا من القصة؛ شوارعها، طبيعتها، جماهيرها، ثقافتها وأجواؤها.
وهنا تظهر الفكرة التي تستحق التوقف عندها: كيف تتحول صفقة كروية إلى فرصة للترويج السياحي؟
هذه هي النقطة التي يجب أن ننظر إليها بعيدًا عن تفاصيل الصفقة ومكاسب النادي المباشرة من بيع القمصان والتذاكر والحقوق التجارية. القيمة الحقيقية لأي نجم عالمي لا تتوقف عند ما يقدمه داخل الملعب، وإنما تمتد إلى حجم الجمهور الذي يجذب اهتمامه، والأماكن التي تصبح حاضرة في الصورة بسبب وجوده.
صلاح.. لاعب داخل الملعب وقيمة تسويقية خارجه
في عالم كرة القدم الحديث، لم يعد اللاعب الكبير مجرد عنصر فني داخل التشكيل. النجم أصبح علامة تجارية، ووسيلة للتواصل مع جماهير جديدة، وجسرا بين النادي والأسواق المختلفة.
وهذا ما يجعل وجود صلاح في طرابزون فرصة تسويقية حقيقية للنادي والمدينة معًا. فالجمهور المصري والعربي الذي يتابع أخبار اللاعب لا يتابع فقط عدد أهدافه أو مستواه في المباريات، وإنما يكتشف تلقائياً المكان الذي يعيش ويلعب فيه.
وهذه هي قوة الترويج غير المباشر؛ أن تجعل الجمهور يذهب إلى المعلومة بنفسه، وأن تتحول المدينة من خلفية للمشهد إلى جزء من المشهد.
وهنا يبدأ السؤال المصري
إذا كانت طرابزون قد وجدت في صلاح فرصة لتوسيع دائرة الاهتمام بها، فماذا فعلنا نحن في مصر مع الأسماء المصرية التي تحظى بمتابعة عالمية؟
لدينا محمد صلاح، ولدينا عمر مرموش، ولدينا عدد كبير من اللاعبين المصريين المحترفين في الدوريات الأوروبية والعربية، إلى جانب رياضيين وفنانين وشخصيات عامة يمتلكون جماهيرية ضخمة.
ولدينا في الجانب الآخر مقومات سياحية لا تحتاج إلى اختراعها أو صناعتها من جديد.
لدينا الحضارة المصرية القديمة، والأهرامات والمعابد والمتاحف، ولدينا البحر الأحمر وسيناء والساحل الشمالي والإسكندرية والأقصر وأسوان، إلى جانب السياحة العلاجية والترفيهية والثقافية والدينية.
وبالتالي، فإن القضية ليست في سؤال: ماذا نملك؟
الإجابة معروفة.
القضية الحقيقية هي: كيف نقدم ما نملكه للعالم؟
الفرق بين امتلاك المقومات وفن استثمارها
طرابزون لم تصنع الطبيعة من أجل صلاح، ولم تظهر جبالها أو معالمها بعد وصوله. لكن وجود لاعب عالمي بهذا الحجم منح المدينة فرصة إضافية للظهور أمام جمهور جديد.
وهنا الدرس الذي يجب أن نتعلمه من زاوية كروية قبل أن يكون درسا سياحيا: النجاح في كرة القدم لا يتوقف دائمًا عند الفوز بالمباريات، كما أن قيمة اللاعب لا تتوقف عند الأهداف وصناعة الفرص.
النجم يمكن أن يكون مشروعا اقتصادياً وإعلاميا وسياحيا إذا جرى التعامل معه بصورة صحيحة.
صلاح يستطيع أن يجذب ملايين الأنظار إلى أي مكان يظهر فيه، ومرموش كذلك، وغيرهما من النجوم المصريين. لكن الاستفادة من هذا الحضور تحتاج إلى تخطيط واضح يربط بين الرياضة والإعلام والسياحة والتسويق.
بدلاً من أن يكون اهتمامنا بالنجم محصوراً في أخباره الشخصية، أو انتقالاته، أو تفاصيل حياته، يمكن أن يتحول حضوره إلى نافذة نعرف من خلالها العالم بمصر.
الكرة تستطيع أن تحمل صورة الوطن
كرة القدم اليوم صناعة متكاملة، والجمهور لا يشاهد المباراة فقط؛ بل يتابع اللاعب، وحياته، ومدينته، وناديه، وثقافته، وكل ما يحيط به.
ولهذا، فإن الاستثمار الحقيقي في نجومنا لا يعني استخدام صورهم في إعلان تقليدي فقط، وإنما بناء محتوى يجعل النجم نفسه جزءًا من قصة وطنه.
تخيل مثلاً أن يتحول ظهور لاعب مصري عالمي إلى فرصة للتعريف بمدينة مصرية، أو موقع أثري، أو وجهة سياحية، أو منتج مصري، بطريقة ذكية لا تبدو كإعلان مباشر.
هنا يتحول النجم من معلن إلى سفير غير مباشر.
وهذه هي النقطة التي تجعل تجربة طرابزون جديرة بالدراسة، ليس لأنها تمتلك ما لا نمتلكه، وإنما لأنها عرفت كيف تستفيد من الفرصة التي جاءت إليها.
في النهاية، لا ينقص مصر النجوم، ولا التاريخ، ولا الطبيعة، ولا الأماكن التي يمكن أن تنافس أشهر الوجهات السياحية في العالم.
لدينا محمد صلاح.. ولدينا عمر مرموش.. ولدينا أجيال من النجوم.
ولدينا ما هو أكبر من ذلك كله: مصر نفسها.
لكن كرة القدم تطرح علينا سؤال لا يمكن تجاهله:
هل نحتاج إلى مزيد من المقومات السياحية.. أم نحتاج إلى فن أكبر في الترويج بما نمتلكه لدينا؟