مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

منبر

المبدعون

فرج مجاهد في ذاكرة المبدعين

2026-03-17 12:45 PM  - 
فرج مجاهد في ذاكرة المبدعين
الأديب الراحل فرج مجاهد
منبر

أعده للنشر مصطفى علي عمار

في صباح يوم الثلاثاء الثالث عشر من شهر رمضان المعظم 1447، والثالث من شهر مارس 2026... اهتز الوسط الثقافي في مصر والعالم العربي لسماع خبر وفاة الكاتب والشاعر والناقد المصري فرج مجاهد، عامل النسيج الذي خرج من بين الكادحين بقلمه.

توفي الكاتب والقاص والناقد فرج مجاهد عبد الوهاب أبو وطفة، الشهير بـفرج مجاهد، عن عمر ناهز 64 عامًا، بعد مسيرة حافلة بالعطاء في مجالات القصة القصيرة والرواية والنقد الأدبي وأدب الطفل. وذلك بعد صراع مع المرض جعله ملازما الفراش فترة طويلة كان يستغيث، ومنشورات على صفحته فيس بوك للمساعدة ومساندته في مرضه، حتى وافته المنية... رحمة الله عليه.
 الراحل وُلد في 12 يوليو 1961 بمدينة شربين بمحافظة الدقهلية، وحصل على دبلوم المدارس الثانوية الصناعية عام 1980، ثم ليسانس الآداب قسم اللغة العربية من جامعة المنصورة، وكرّس حياته للإبداع والبحث النقدي، فكان أحد أبرز الأصوات السردية في إقليم شرق الدلتا، واسمًا حاضرًا في المشهد الثقافي المصري والعربي.

شغل الراحل عددًا من المواقع الثقافية، إذ كان عضوًا بالنقابة العامة لاتحاد كتاب مصر، وتولى منصب نائب رئيس النقابة الفرعية بالمنصورة ودمياط سابقًا، كما كان عضوًا بمجلس إدارة نادي القصة، وعضوًا بجمعية الأدباء، ورابطة الأدب الإسلامي العالمية، ورابطة الأدب الحديث، وأثيليه القاهرة وأتيليه المنصورة.

وانتُخب عضوًا بأمانة مؤتمر أدباء مصر عامي 2014 و2015، وشارك في الدورة السابعة لملتقى الرواية العربية بالمجلس الأعلى للثقافة عام 2019. كما تولى رئاسة تحرير مجلتي «ترانيم» و«أفنان»، وعمل مديرًا لتحرير مجلة «أوراق ثقافية»، وكان مقررًا لمؤتمر «أصوات معاصرة» عام 2013، وعضو هيئة تحرير مجلة «القصة» الصادرة عن نادي القصة.

وحصل على منحة تفرغ من وزارة الثقافة عام 2022. تنوع إنتاجه بين القصة القصيرة والدراسات النقدية وأدب الطفل، ومن أبرز مؤلفاته.. «هذا العبث» (1998)، «رحيق الكلمة» (2001)، «أحلام عاجزة» (2012)، «السرد في جزيرة الورد» (2015)، «غواية شهر زاد» (2021)، «السرد والمدى الممتد» (2021)، «ذكاء ابن الملك» (2021)، «تباريح بين الفصحى والعامية» (2022)، «قيثارة الرواية» (2022)، و«ألوان الوجع» (2022)، إلى جانب عدد من الدراسات والكتب المشتركة.

حصل الراحل على الجائزة الأولى للقصة القصيرة في مسابقة الجمهورية عام 2009 وتسلمها من وزير الثقافة الأسبق فاروق حسني، كما نال جائزة التميز في مسابقة صلاح هلال حنفي عام 2015، وجائزة إقليم شرق الدلتا الثقافي للنشر في العام نفسه، فضلًا عن عدد من الجوائز وشهادات التقدير.

"في ملفنا هذا، نلقي الضوء على واحد من أبرز الأقلام الأدبية في مصر، الراحل فرج مجاهد عبد الوهاب، الذي ترك بصمة حقيقية في عالم الثقافة والأدب. ولنستمع إلى آراء وشهادات كبار الكتاب والأدباء الذين عاصروه وعرفوه، ليرووا لنا حكايات عن هذا الرجل العظيم، ويشاركونا تجاربهم معه."

★ يبدأ الكاتب الصحفي خيري حسن و يروي حكايات عن مجاهد ويقول: إعدام ابنته بسبب أمريكا سببا في معرفتي به... زرت الكاتب الصحفي الراحل سامي فريد في مكتبه بالأهرام، فوجدت عنده الدكتور سعيد اللاوندي، الذي كان يحتسي فنجان قهوة، ويبدو على ملامحه الغضب. (كان ذلك عام 2005 أو 2006) أشار لي سامي فريد بالجلوس، فجلست. ثم طلب - في الهاتف الأرضي - أشهر عامل بوفيه في الأهرام - كان اسمه كينا - أرجو أن أكون كاتب الاسم صح - وقال له: "واحد شاي كمان يا كينا" ثم أغلق الخط والتفت إلى سعيد اللاوندي وقال: "الواد ده - وأشار إليّ- الذي سينشر الموضوع في صحيفة الوفد الذي رفض الأهرام نشره لك يا دكتور". كل ذلك وأنا لا أعرف الموضوع أصلاً. فسألت الأستاذ سامي، فقال: "ابنة أديب اسمه فرج مجاهد من محافظة الدقهلية - شمال القاهرة - اسمها (آلاء) كتبت في إجابة موضوع التعبير - كانت في الصف الثاني الثانوي - هجومًا كاسحًا على السياسة الأمريكية - وهذا خارج الأسئلة فعاقبتها المدرسة بحجب نتيجتها وأسرتها مصابة بالرعب. وعندما حاول الدكتور سعيد الكتابة عن ذلك - أظنه كان في مقال - رفضت الأهرام، وهذا ما يعكر صفوه الآن، خاصة ووالد الطالبة صديقه وبلدياته".

كنت قد فرغت من الشاي الذي جاء به "كينا" - وكم كنت أحب هذا الرجل - ووقفت واستأذنت بعدما سلمت وعرَّفت الدكتور اللاوندي بنفسي وألقيت في وجهيهما العنوان التالي: "إعدام طالبة ثانوي بسبب رفضها للسياسات الأمريكية في المنطقة"، فتبسم اللاوندي وقال: "وكمان اخترت العنوان؟" فضحك سامي فريد ولم يعلق.

عدت بسرعة من الأهرام إلى صحيفة الوفد في حي الدقي وأخذت زميلًا مصورًا وسيارة وانطلقنا إلى العنوان الذي كان قد أعطاه لي الدكتور اللاوندي. وصلنا إلى بيت في حارة تكاد تكون شعبية وصعدنا على السلالم للدور الثاني أو الثالث لا أذكر. الشقة متوسطة وأثاثها عادي لكنها تمتلئ في كل جنباتها بالكتب.. جاءت الطالبة (آلاء) واستمعت لها ثم تحدثت والدتها - يبدو أنها كانت تعمل معلمة - ثم بحثت عن الأب - فرج مجاهد - فوجدته يجلس في حالة هدوء وحذر - وربما خوف - من الموقف الذي وجد نفسه وابنته وأسرته فيه.

وبعدما انتهيت من الحديث مع الأسرة ودعني الأديب فرج بسعادة بعدما طمأنته ومعي الزميل المصور - والسائق الذي طلب مني الصعود معنا ليري هذه الفتاة (الجدعة) - حسب وصفه - وبالفعل وافقت. وبعد ساعة تقريبًا ودعت الأسرة والأستاذ فرج الذي شعرت بأنه أخيراً شعر بالاطمئنان والفرح وانزاح خوفه، خاصة بعدما أبلغته رسالة الدكتور سعيد اللاوندي الذي قال له فيها: "قوله إحنا معاك.. ونتيجة آلاء سوف تُعلن.. فلا تقلق".

عدت للقاهرة - كانت ليلة الثلاثاء- ولم أنم وكتبت موضوعًا عنوانه: ("بسبب السياسات الأمريكية في المنطقة -- إعدام طالبة ثانوي في الدقهلية) - ونشر التحقيق في عدد الخميس - الوفد الإسبوعى - وانقلبت الدنيا.. بعدما نقلته وكالة أسوشيتد برس الأمريكية وعلقت عليه بمجموعة من كتابها على أوسع نطاق.

بعد 48 ساعة استدعى وزير التعليم وقتها الطالبة واستقبلها هي ووالدها- الأديب فرج مجاهد - في مكتبه بالوزارة وذهبت - بدعوة من مكتب الوزير - لحضور هذا اللقاء الذي أجرى فيه الرئيس الراحل مبارك اتصالًا أبويًا عظيمًا بالطالبة بآلاء.

وربما أروي تفاصيله فيما بعد. خرجت من مبنى الوزارة ومعي الأديب فرج مجاهد الذي كان يتلقى التهاني من الجميع؛ كونه علَّم وربَّى ابنته بهذه الشجاعة النادرة والثقافة العميقة رغم عمرها الصغير. وهو - في حقيقة الأمر - شعر وقتها بالفخر والاعتزاز وتحول خوفه وقلقه إلى شجاعة.

بعد سنوات مات.. سعيد اللاوندي.. ومات بعده سامى فريد.. واليوم.. مات الأديب فرج مجاهد.( رحمهم الله جميعا بواسع رحمته).. وما زالت السياسة الأمريكية - رغم مرور 21 سنة - على هذه الواقعة، تعربد في المنطقة.. ويبدو أنها ستظل كذلك لسنوات قادمة.

★ يضيف: محمد أبو اليسر سليمان المستشار الإعلامي بتعليم الطائف
في أواخر الثمانينيات ومطلع التسعينيات من القرن الماضي، كان لكشك عم حسب الله في شربين سحر لا يقاوم، رائحة الحبر الممزوجة بخشب الرفوف، وصوت تقليب الصفحات في ظهيرة ساكنة، ووجوه تتقدم لتشتري صحيفة أو مجلة ثم تنصرف، هناك تعرفت إلى دنيا الكلمة، وتعرفت إليه.
كانت على الرفوف أعداد مجلة العربي، ومجلة المنار، وصوت شربين، وسمير، وميكي، وناز، والمزمار. وكانت تلك المطبوعات، على تواضعها، نوافذ نطل منها على عوالم أوسع من حدود مدينتنا الصغيرة.
رأيته أول مرة بين الواقفين أمام الكشك؛ دراجة قديمة تستند إلى الجدار، وصوت هادئ يزن الكلمات قبل أن ينطق بها. ملامحه من تلك الطبقة الكادحة التي صنعت وجه هذا الوطن؛ عاملا في محلج شربين، يحمل في قلبه قضية، وفي عينيه ضوء لا يخبو. كان اسمه فرج مجاهد.
دعاني يوما إلى لقاء في بيت ثقافة شربين (المتهالك)، ومنذ تلك الأمسية توالت اللقاءات، كان الحديث معه يوقظ داخلي شغفا قديما، ويزرع يقينا بأن الكلمة ليست ترفا. وعندما التحقت بالجامعة، كان أستاذي الحبيب عماد الدين عيسى، الأديب والصحفي الكبير في بلاط صاحبة الجلالة، يسألني عن بلدتي. وحين قلت شربين، ابتسم وقال: عندكم أديب عملاق اسمه فرج مجاهد؛ قاص وروائي وناقد، عاشق للفكر ومثابر في ساحته.

حاول أن تقترب منه، ستتعلم الكثير. اقتربت، فوجدت ما هو أكثر من التعلم. كتبت في مجلة صوت شربين، وكان هو نجمها الذي لا يهدأ، وفي إقليم شرق الدلتا الثقافي أصدرنا مجلة الرأي الأدبي، فكان من فرسانها، حاضرا بالمقال والقصة والدراسة الأدبية والمراجعة والنصيحة.

كلما التقيته أهداني كتابا جديدا من كتبه التي طبعها بعرق القلب وألق الوجدان، كأنه يسلمني شعلة ويقول: واصل الطريق.
عرف وتواجد فرج مجاهد في ساحة الثقافة على كل مستوياتها: عضوا في اتحاد الكتاب، حاضرا في المنتديات الثقافية، ضيفا دائما على صفحات الصحف والمجلات المصرية والعربية والإقليمية. لم يكن يسعى إلى ضوء، بل كان الضوء هو الذي يسعى إليه.

كتبت بعد ذلك وتوليت رئاسة تحرير مجلة الرواد، فكان المعاون الأكبر، والأخلص عطاء، يعمل بلا مقابل إلا ما تمنحه الكلمة من رضا. كان يرى في كل إصدار جديد خطوة نحو وطن أعدل، وفي كل قصة محاولة لترميم ما تهدم في الروح.
مرت السنوات وأخذتنا الحياة في دروبها، غير أنه ظل مرابطا في ساحة عشقه الأكبر: الفكر والثقافة والأدب. لم تنقطع بيننا الصلة؛ كان يقرأ كتبي فور صدورها، يهنئني ويناقشني، يختلف معي أحيانا، ويشد على يدي دائما.
في آخر اتصال هاتفي هنا على صدور مجموعتي القصصية "حين يزور شرفتي الخريف"، واتفقنا على لقاء قريب فور عودتي إلى أرض الوطن، نجتمع فيه مع ثلة من الكتاب على أحد مقاهي شربين التي أحبها.

لكن القدر كان يخبئ صفحة أخرى. اشتد عليه المرض، . فاجأني بنداء استغاثة وجهه إلى وزير الثقافة أثناء معرض الكتاب الأخير، مقاله الأخير على الفيس كان مؤلما: فقد أجرى جراحة عاجلة في مستشفى التأمين الصحي بسندوب، غير أن عدوى ميكروبية باغتته بعد العملية، وكان مقررا له جراحة أخرى بعد التعافي، غير أن إرادة الله كانت أسرع إلى روحه الطاهرة.

برحيله خسر الأدب المصري قلما نبيلا، وروحا أصيلة، ومناضلا شريفا لم يبدل موقفه ولم يساوم على قناعاته، خسرته شربين التي عرفته في شوارعها ومقاهيها، وخسرته تلك الرفوف القديمة في كشك عم حسب الله، حيث بدأت الحكاية.

أيها الصديق الذي علمنا أن الكلمة موقف، وأن الثقافة مسؤولية، نم قرير العين. ستظل كتبك شاهدة على زمن قاومت فيه بالصبر والقلم، وظللت وفيا لفكرك حتى آخر سطر.

تغمدك الله بفيض رحماته، وجعل نضالك وصبرك ومعاناتك الأخيرة في موازين حسناتك. أما نحن، فسنظل كلما شممنا رائحة الحبر في صباح قديم، نراك واقفا هناك، تحمل كتابا جديدا وتبتسم.

★ يستطرد الشاعر محمد حلمي السلاب 
في مدينة شربين .. عصر الثلاثاء 13 رمضان وصادف أن يكون الثالث من مارس 2026 شيعنا أديبنا المثابر (فرج مجاهد عبد الوهاب) إلى حياة جديدة ستكون بإذن الله أفضل بكثير .. حياة بعيد عن المعاناة والكبد والصراع، تلك الأشياء التي خلقت لتصاحب الإنسان .. بعيدا عن اتحاد الكتاب وغير الكتاب وكل ما يدعي الاهتمام بالأدب والأدباء.

تأتي على الإنسان لحظات يمارس فيها القهر دوره قد يكون المرض وتلك إرادة الله وحكمته. رحل أديبنا المثابر (فرج مجاهد عبد الوهاب) وترك لنا في مدينتنا شربين فراغا هائلا لا يعوض أبدا .. ترك بصمة حقيقية لا تمحى في عالم الثقافة، وهب نفسه للقراءة والثقافة والبحث عمن يحبون الأدب، يرعاهم ويبشرهم بأن أعمالهم منشورة .. كان فرج يأتي دائما محملا بالكتب والدوريات الثقافية، يوزعها على أصدقائه ومحبيه، يغذي عقولهم ويشعل فيهم شغف القراءة والكتابة.

كان فرج رمزا للعطاء ورمزا للثقافة التي لا تنضب. في شربين وكل مدن محافظة الدقهلية كان له دور كبير في رعاية المثقفين والتواصل مع المشرفين على الأنشطة الثقافية، كان دائما حاضرا يقدم الدعم ويشجع المبدعين ويفتح أبواب الثقافة أمام الجميع.

فرج مجاهد عبد الوهاب .. الأديب الذي كان يأتي دائما، لكنه رحل تاركا ورائه فراغا كبيرا .. لا أنسى أبدا دوره الكبير في تأسيس نادي أدب شربين مع مجموعة مخلصة من مثقفي شربين ودفعي دفعا للمشاركة والحصول على عضوية عاملة بالنادي.

لا أنسى أبدا مرحلة هامة في حياته عندما كتبت ابنته (آلاء) موضوع التعبير الشهير وكيف أنهم فصلوها لمدة عامين واتصلت بصديقنا الراحل د. سعيد اللاوندي وقصصت عليه الحكاية كلها فكتب عنها في جريدة الأهرام وانقلب السحر على الساحر ليتصل الرئيس الراحل حسني مبارك وينصف الطالبة.

لا أنسى آخر أمسية ثقافية جمعتني به في نادي أدب شربين منذ أسابيع قليلة قبيل وفاته وتشاركنا الحديث عن أعلام وأدباء مدينة شربين الذين رحلوا لم نكن نعلم أنه بعد أسابيع قليلة سيلحق بهم.

لو قدر لي أن أكتب مسرحية سيكون عنوانها (في انتظار فرج) وإذا كان صمويل بيكت كتب مسرحية (في انتظار جودو) التي تتحدث عن شخصين ينتظران شخصا اسمه جودو، لكنه لا يأتي أبدا، وهي تعبر عن حالة الانتظار والضياع في حياة الإنسان وهي من أشهر المسرحيات في الأدب العالمي، فأنا سأكتب عن انتظار فرج الذي كان يأتي دائما محملا بالكتب والدوريات الثقافية، تعبر عن فقدان شخص محبوب وترك فراغا كبيرا.

فرج يأتي بأفكاره وشغفه الثقافي وليس بشخصه. الفرق الرئيسي بينهما أن جودو لا يأتي أبدا، بينما فرج يأتي بأفكاره وشغفه، جودو رمز للضياع والانتظار، بينما فرج مجاهد عبد الوهاب رمز للعطاء والثقافة.

فرج مجاهد، الرجل الذي كان يأتي دائما بأفكاره .. يجوب مدينة شربين بدراجته ونتواعد لنتقابل عند موزع الصحف (شريف حسب الله) ويسأل دائما عن الجديد ويترك العديد من الكتب لي ولغيري .. كان مساهما بامتياز في تثقيف أهل مدينته شربين.

في انتظار فرج .. نعم في انتظار فرج الذي لن يأتي أبدا، لكن ذكراه ستبقى معنا، وسيبقى إلهاما لنا في مسيرتنا الثقافية، فرج باق فينا، باق في أفكاره، وفي شغفه، وفي كل كتاب قرأناه، وفي كل فكرة خطرت ببالنا .. يرحمه الله ويغفر له ويسكنه فسيح جناته.

★ الكاتب الصحفي حسام مصطفى إبراهيم
في البارحة ذهب واحد من الطيبين  عن جد، القاص والناقد العزيز فرج مجاهد عبد الوهاب. وعلاقتي بالأستاذ فرج بدأت من أيام ما كنت طالب ثانوي في شربين بالدقهلية (من حوالي ٣٠ سنة!)، عندما كنت أذهب إلى نادي الأدب في "بيت الثقافة" تحت إدارة المحترم باسم زين؛ شقة متواضعة في العمارة التي كان فيها مقر حزب الشعب، وكان هو أحد مقرري النادي.

كنت شابا صغيرا لازال وعيه يتفتح على الدنيا، دودة قراءة (لما تقدمت فيما بعد لمراتي، اللي هي بنت الجيران، أصحابها سخروا مني وقالوا لها هتاخدي أبو كتاب؟!) رفيع مثل السحلية وبنظارة، مربي خط أسود تحت مناخيره حتى يعطي أكبر من سنه، وأصحابه لا يزيدوا على شخصين شبهه، يكتب شعر وقصص قصيرة متصور إنها سوف تغير العالم، يحاول أن يتعلم الأدب والحياة!

ورغم إننا قابلنا شخصيات عجيبة في نادي الأدب، موهومة أو مغرورة أو موتورة، كان فيه ناس على النقيض تماما: مُحِّبة وراقية ومجتهدة وعندها طاقة تساعد وتوجه وتدعم وتشاور على الطريق، ومنهم الأستاذ فرج.

حبيت الأستاذ فرج من أول طلعة، العامل المصري المطحون البسيط المتواضع، اللي رغم كل ظروفه محب حقيقي للأدب ومجتهد في التعاطي معه، لدرجة إنه بعد ما أنهى دبلوم الصنايع التحق بآداب لغة عربية، ودعم الموهبة بالدراسة الجادة، وكل أمواله ذاهبه على الكتب، ولا يوجد من ذهب و زاره في بيته إلا وأهداه مجموعة كتب قيمة من مكتبته!

الأستاذ فرج كان يكتب قصة، ونقد، وينشر في دوريات محلية وعربية، ويصدر كتب، ويسافر مؤتمرات في المحافظات ويحضر فاعليات ويكتب عنها، ويبرز أدباء الأقاليم ويؤرخ لهم ويدعمهم ويقدمهم لغيره، بحماس منقطع النظير، ويصرف على شغفه من جيبه، ولآخر لحظة في حياته كان منخرطا في ما يحب، رغم كل التحديات!

وبعد نزوحي للقاهرة، كان دائم التواصل معي وتهنئتي بكل كتاب جديد، وإبداء رأيه بمحبة حقيقية، ومطالبتي بإرسال قصة لي لينشرها في الدورية الفلانية، والسؤال عن صديقي السيناريست الكبير محمد  هشام، رفيق نادي الأدب، في كل مكالمة، وتشجيعنا على إكمال ما بدأناه.

وعندما أنزل شربين ونلتقي صدفة كالعادة عند كشك جرائد صديقنا الحبيب شريف فتحي حسب الله، أحد منابر التثقيف في شربين، نأخذ بعض بالحضن ونظل نتكلم عن أيام زمان ونخطط لأعمال مشتركة لم تتم أبدا للأسف!

آه  يا أستاذ فرج على كل هذه الذكريات التي تعصف بالروح! ياه!

الأستاذ فرج كان رجلا شريفا محترما مخلصا  يحب، دون انتظار مقابل، نموذجا يفتخر به أبناؤه في إنفاق العمر على ما يؤمن به، متجردا من الهوى والمنفعة، رجل يحركه الحب قولا وفعلا فقط، لم يلق ما يستحقه من التقدير من المسئولين لكن لقي كل ما يستحقه من محبتنا وإيماننا به واحتفائنا بمنجزه، وسيظل في ذاكرتنا بإسهاماته المهمة في الكتابة والنقد، وقبلها بأخلاقه النبيلة واحترامه لنفسه ولما يحب.

في رحاب الله أيها الرجل الطيب، صدقا سأفتقدك، وعند ذهابي إلى شربين سأجد طيفك في المكان الذي اعتدنا اللقاء فيه، وسأتذكر نكاتك والتفاتاتك وضحكتك الطيبة التي تخلب القلب، وعندما تغلبني دموعي سأواسي نفسي أننا سنلتقي قريبا جدا في رحاب من لا يضيع لديه الفضل ولا تُنسى المروءة، لنجلس كما نحب، ونضحك كما نحب، وننهي كل الخطط المؤجلة هذه المرة.

مساحة إعلانية