مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

علاء أبو إبراهيم يكتب : أحفاد جيل أكتوبر لم ولن يموتوا

2026-10-05 12:34 AM  - 
علاء أبو إبراهيم يكتب : أحفاد جيل أكتوبر لم ولن يموتوا
علاء أبو إبراهيم

من رحم المستحيل، ومن عمق الرماد والوجع، وحين ظن العالم أننا انتهينا وأن اليأس قد ضرب أوتاده في قلوبنا، تفجر بركان السادس من أكتوبر ليقلب موازين الكون بمداد من نور ونار .! 
لم تكن حرباً عادية، بل كانت زلزالاً هز الأرض تحت أقدام الطغاة، وصيحة طهر انبعثت فيها الروح في جسد الأمة ، لتحول دماء الشهداء إلى جسر من كبرياء، عبرنا فوقه من ظلمات الانكسار إلى سموات العزة والكرامة. 
في ذلك اليوم المشهود، لم تعبر قواتنا المسلحة مانعاً مائياً وساتراً ترابياً فحسب، بل دهست بأقدامها أوهاماً ظن أصحابها أنها لا تقهر، وصرخت في وجه الدنيا ، إن تراب مصر لا يُقايض بكنوز الأرض كلها، وأن الموت في سبيل العرض هو الحياة الأبدية !
والتاريخ إذ يكتب سيرة النصر، ينحني إجلالاً، ويقف بخشوع باهت أمام تضحيات أبطالنا الراحلين؛ رجال زلزلوا الأرض بـ "الله أكبر" وغادروا دفء بيوتهم وعناق أمهاتهم، واختاروا الخندق موطناً، والشهادة غاية !
 لقد غابت أجسادهم الطاهرة تحت ثرى سيناء، لكن أرواحهم بقيت قناديل تضيء لنا عتمة الطريق، وسيرتهم ما زالت تتدفق في عروقنا كشريان نابض بالكرامة.
 إن كل قطرة دم زكية رووا بها الأرض، وكل آهة ألم كتموها في صدورهم، كانت المهر الذي دفعوه من أعمارهم لنعيش نحن اليوم مرفوعي الرأس، أعزاء في وطن حر، تخبر رايته الخفاقة في السماء كل عابر أن هذه الأرض لا تحيا إلا بفداء المخلصين
وهذا الماضي الإعجازي وتضحيات جيل أكتوبر العظيم، ليسا مجرد صفحات منسية لنتغنى بها في المناسبات، بل هما الشريان الحي والمنهج المقدس الذي يربط أمسنا بحاضرنا، ويمهد لنا ممرات العبور نحو المستقبل رغماً عن كل حاقد أو مشكك. 
فالتحديات الوجودية والأزمات الاقتصادية والجيوسياسية العاصفة التي تحيط بوطننا اليوم، ليست سوى امتداد لمعارك الأمس وإن اختلفت الأدوات والوجوه؛ فبالأمس كان العدو رابضاً على الضفة الأخرى يراهن على انكسار وعينا، واليوم تراهن الأزمات المعاصرة على نفاد صبرنا وهزيمة إرادتنا من الداخل
إن المقاتل الذي صام جوعاً وعطشاً في صحراء سيناء والتحف الرمال ليفترس المستحيل، يبعث إلينا اليوم من مرقده برسالة حية؛ أن الصمود ليس رفاهية بل هو قرار بقاء، فالعرق الحار الساقط من جبين الفلاح في حقله، وصبر الحِرفي في ورشته، وكفاح العامل فوق ماكينته في ظل هذه الظروف الراهنة، هو الامتداد الشرعي والوحيد لتلك الطلقة الأولى في أكتوبر، فنحن لا نحارب الغلاء والأزمات بالشكوى والانكسار، بل بالإنتاج والمقاومة، وبذات الصبر الذي تحمله الجندي الراحل وهو ينتظر ساعة الصفر
وكما كان التلاحم الشعبي والدعم المطلق من الجبهة الداخلية هو العمود الفقري لجيشنا في معارك التحرير، فإن وعي المواطن المصري اليوم هو الساتر الترابي الجديد الذي تتحطم عليه الشائعات ومحاولات الإحباط ، فتضحيات السابقين تفرض علينا أمانة تاريخية كبرى ألا نسلم عقولنا لليأس، وألا نترك تضحيات من ماتوا لكي نحيا تضيع هباءً أمام أول منعطف صعب، خاصة وأن الحفاظ على استقرار هذا الوطن في محيط إقليمي ملتهب ومضطرب، هو أعظم وأرقى تكريم ندفعه اليوم لأرواح شهدائنا الأبرار
إن العبور لم ينتهِ في عام ثلاثة وسبعين، بل هو فعل مضارع مستمر نسير فيه اليوم فوق جسور الأمل والتنمية، نستصلح صحاري كانت بالأمس مسرحاً للحرب لكي نحولها بدمائنا وعرقنا إلى شرايين للحياة، لنؤكد للعالم أجمع أن مصر التي عبرت بالأمس حواجز النار واليأس، قادرة بذات الروح الشامخة، وبعرق الجبين وكفاح السواعد، أن تعبر اليوم وغداً نحو مستقبل مشرق، آمن، ومزدهر، لأننا أمة صُنعت من طين المعجزات، أمة قد تمرض .. لكنها أبداً، أبداً لا تموت، وتلك الدماء الزكية التي سكنت جوف سيناء لم تجف بعد، بل تصرخ في وجداننا مع كل صباح ،
"إياكم والانحناء، فما اشتدت ظلمة الليل إلا لتعلن عن قرب بزوغ الفجر"
ومن هنا، ومن بين طيات هذا التاريخ المثقل بالمجد، ينطلق النداء إلى كل مصري ومصرية على هذه الأرض الطاهرة ، قفوا إجلالاً وتأملوا، واستشعروا روح أكتوبر الكامنة في أدق تفاصيل حياتكم .! إنها ليست ذكرى نمر عليها مرور الكرام، بل هي عقيدة صمود ونبض عزة يجب أن يسري في عروقنا جميعاً مع كل دقات قلوبنا؛ 
 فلننفض عن كواهلنا غبار اليأس، ولنحطم على صخرة إرادتنا كل غلاف للإحباط، متذكرين دائماً أن الدم الذي جرى في عروق أبطال ثلاثة وسبعين هو ذاته الدم الحار والمقدس الذي يتدفق في أجسادنا اليوم 
امضوا في دروب الحياة برؤوس مرفوعة وقامات شامخة كالجبال، واجعلوا من تلك الروح العظيمة وقوداً لا ينطفئ لمعاركنا المعاصرة، لنثبت للدنيا بأسرها أن جيل العبور لا يموت، وأن أحفاد جيل أكتوبر قادرون بوعيهم، وعملهم، وتلاحمهم خلف وطنهم، على قهر كل مستحيل وصناعة فجر جديد يليق بمصر العظمى إلى أبد الآبدين .!
عاشت مصر حرة أبية بجيشها العظيم، وعزيزة بشعبها الأبي، وعريقة بتاريخها الشامخ وعاشت دمياط العظيمة بتضحيات وعرق أبنائها الأوفياء، صُناع الحياة والأمل، وحصن مصر الاقتصادي والإنتاجي المنيع

مساحة إعلانية