مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

عبدالناصر أبوبكر يكتب : حسني الإتلاتي شاعر المدينة الفاضلة

2026-01-10 02:18 PM  - 
عبدالناصر أبوبكر يكتب : حسني الإتلاتي  شاعر المدينة الفاضلة
عبد الناصر أبو بكر
منبر

لا يجوز لمثلي أنْ يتناول تجربة ثرية تتلاطم فيها أمواج الإبداع بأشكاله وألوانه  .. وهو لا يمتلك إلا قارباً صغيراً لا يستطيع الصمود إذا هبَّت رياح السِّحر الحلال, كما أنَّ مقدرتي على نقد بعض النّصوص لشاعرٍ مخضرمٍ  شرف لا أدّعيه, فالأدوات ناقصة, وعين البصيرة عمياء, وليس بيني وبين نظريات النقد الحديث أي مودَّة, ورحم الله امرأً عرف قدر نفسه, فالذي حرضني على الكتابة في هذا الأمر لم يعطِ القوس باريها,  غير أنَّ ذلك لا يمنع مريداً من الذِّكر في حضرة الإبداع المحفوفة بالألوية الخضراء, ولا يصادر رأي متذوقٍ لطعم الكلمات التي تُصلّي في هيكل الحُب, وتدور في فلك الفضيلة, وترفع لواء الحَقّ, والخير, والعدل, والجمال.

(حسني الإتلاتي ) شاعر ضخم على كل المستويات, وليس ذلك بسبب غزارة إنتاجه فحسب.. فإنَّ " العدد في الليمون" كما يقول المثل الشعبي, والعِبرة في جودة اللفظ وحُسن السَّبك كما يقول الجاحظ, فهذا العصفور الذي يُغرد على معظم أغصان حديقة الشِّعر ..  يغرف من بحر, وينحت من  صخر, ويطرح شباكه بحرفية شديدة, ويعود بالصَّيد السَّمين كل مساء, ثم يطعم به الفقراء والمساكين وعابري السبيل وهو يبتسم في الوجوه البائسة.. التي تطوف حول مضارب القبيلة كل مساء.

هذا الشاعر الذي لم ينل جزءاً من حقّه علينا, وعلى الوطن الضرير الذي لا ينحاز للشُّرفاء للأسف .. له في كل دربٍ خفقة نعل, فهو يكتب شعر الفصحى, والعامية, والفنون القولية, والأزجال, والأغنية العاطفية بمطالعها وأدوارها, وقد أجاد في كل فنٍّ من فنون الشِّعر التي طفق يغزل عرائس شعره على نولها, وإنْ كان هو شاعر فصحى في المقام الأول, فقد أفرد للشعر الفصيح قرابة العشرة دواوين, فإنَّه قد دَّخل محراب الفنون القولية متوضّئاً .. فاستقبلته المربّعات مُهلّلة ومُكبِّرة, وكتب الأغنية العاطفية فذابت قلوب العذارى.

كتب الإتلاتي في كل ألوان الشعر  ,ومع ذلك كانت, ولم تزل عين التقدير ضريرة على مستوى الأوساط الثقافية والجامعية.. بما يساهم في زيادة جرعة الحُزن في ذات النفس الشاعرة التي تشعر أحياناً بهوانها على الناس.

حسني الإتلاتي شاعر من شعراء المدينة الفاضلة التي تنأى عن الفاحش من القول والفعل, فهو الشُّجاع في طرح قضاياه الوطنية والعاطفية, وهو المُخلِص لفنّه ولوطنه, وهو الأبي الغني الذي لا يتاجر بكلماته, ولا يستجدي أصحاب المنح والمنع في هذا الوطن العربي الذي كاد أن ينضو عنه عباءة العروبة وعقالها.. والذي يقف الآن عارياً على قارعة الطريق بلا تقاليد ملكية ,وبلا أعراف قبلية, فهو لا يحتضن الآن غير المتسلّقين والطّبالين وماسحي الجوخ

لم أستشهد بأي بيتٍ من الشِّعر كتبه شاعرنا الكبير بدموع القلب في هذه القراءة عن عمدٍ .. وليس من قبيل النسيان, فقد يرجع ذلك إلى دهشتي وإعجابي بمعظم ما كتب, فالانتقاء هنا ليس بالأمر اليسير,  وقد يكون ذلك للتّشويق, ولإثارة ذائقة الباحث عن الجمال, وأياً كان الأمر .. فشاعرنا ملء السمع والأبصار, ولن يعدم الحيلة من أراد أنْ يرِد حوضه.

خالص الحب والمودّة والتقدير لصانع هذا الجمال في زمنٍ عزَّ فيه الصُّنَّاع المهرة لكل ما هو جميل.

مساحة إعلانية