مساحة إعلانية
بين ضجيج التصريحات الرسمية وأبواق الترويج الإعلامي، تتكشف حقائق صادمة عن ملف الصناعة في مصر، بعدما ظلت أرقام “الإنجازات” تتردد لسنوات دون تمحيص. فجأة، ومن قلب أحد المحافل الدولية، يخرج التصريح الذي يهز الرواية كاملة، ويضع علامات استفهام كبرى حول ما قيل إنه طفرة صناعية غير مسبوقة.
لسنوات طويلة، صدّعتنا الحكومة بما أسمته إنجازات تاريخية في قطاع الصناعة، وعلى رأسها الحديث المتكرر عن إنشاء آلاف المصانع، حتى وصل الرقم إلى 8000 مصنع، في مشهد تم تقديمه باعتباره دليلاً على نهضة صناعية شاملة. لكن الواقع، كما يبدو، كان مختلفًا تمامًا.
المفاجأة جاءت من وزير الصناعة الحالي، المهندس خالد هاشم، خلال مشاركته في المنتدى الصناعي لدول “بريكس” في روسيا، حين وُجه إليه سؤال مباشر حول خطة الوزارة لإدارة وتشغيل 8000 مصنع، قيل إنه تم إنشاؤها في عهد سلفه. الرد لم يكن دبلوماسيًا ولا تقليديًا، بل جاء كقنبلة مدوية: “هذا الكلام غير صحيح.. أنا لم أستلم حتى 1000 مصنع، وهناك مغالطات كبيرة في الأرقام”.
تصريح الوزير لم يتوقف عند هذا الحد، بل أوضح مفهومًا بالغ الأهمية، حين قال إن الصناعة لا تُقاس بالأوراق ولا بالإعلانات، وإنما بالمنتج النهائي الذي يخرج من المصنع إلى السوق. بمعنى أوضح: المصنع الذي لا ينتج، لا يُعد مصنعًا من الأساس.
وهنا تتضح الصورة أكثر: ما تم الترويج له على أنه آلاف المصانع، لم يكن في حقيقته سوى تراخيص أو أوراق، بعضها استُخدم للحصول على إقامات استثمارية، خاصة من قبل لاجئين سوريين، دون أن يتحول ذلك إلى نشاط صناعي فعلي على الأرض.
الأكثر إثارة، أن الوزير نفسه نفى ضمنيًا ما تم تداوله إعلاميًا عن افتتاح مصنع كل 7 دقائق، وهو التصريح الذي تردد كثيرًا في البرامج التليفزيونية، حيث اكتفى بابتسامة دالة، قبل أن يؤكد أن ذلك “لم يحدث”.
ما بين الواقع والبيانات الرسمية، فجوة خطيرة لا يمكن تجاهلها. القضية لم تعد مجرد أرقام مبالغ فيها، بل تتعلق بمصداقية خطاب كامل تم تسويقه للمواطنين لسنوات. الصناعة ليست شعارات، ولا مؤتمرات، ولا تصريحات رنانة، بل إنتاج حقيقي وفرص عمل وتنمية مستدامة.
المطلوب اليوم ليس تبرير ما حدث، بل فتح هذا الملف بشفافية كاملة، ومحاسبة كل من ساهم في تضليل الرأي العام. فالأمم لا تُبنى بالحبر على الورق، وإنما بالعمل الجاد والنتائج الملموسة على الأرض.