مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

عاطف طلب يكتب :الحرب كانت مقلبًا.. والزبون المستهدف هو الخليج؟

2026-10-05 12:09 AM  - 
عاطف طلب يكتب :الحرب كانت مقلبًا.. والزبون المستهدف هو الخليج؟
عاطف طلب

دعونا نضع كل الشعارات جانبًا، ونسأل السؤال الأصعب:
 من المستفيد الحقيقي من الحرب بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة؟ 
ومن يدفع فاتورتها؟
منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير 2026، لم تعد المعركة مجرد مواجهة مباشرة بين إيران وإسرائيل أو بين طهران وواشنطن، بل تحولت إلى صراع إقليمي امتدت تداعياته إلى الخليج والعراق واليمن ولبنان وغيرها.
والسؤال هنا ليس: من أطلق الصاروخ أولًا؟
السؤال الأهم: إلى أين تقودنا هذه الحرب؟ ومن الذي يستفيد من تحويل المنطقة العربية إلى ساحة مفتوحة للصراع؟
الثابت أن البداية كانت بضربات أمريكية وإسرائيلية واسعة داخل إيران، أعقبها رد إيراني بالصواريخ والطائرات المسيّرة استهدف إسرائيل وقواعد ومنشآت أمريكية في المنطقة. وهذا موثق منذ اليوم الأول للحرب.
لكن هنا تبدأ الأسئلة السياسية الكبرى.
إذا كانت الولايات المتحدة تضرب إيران من الجو والبحر، فلماذا يتحول الرد الإيراني إلى استهداف دول عربية وخليجية تستضيف قواعد أمريكية؟
هل يصبح وجود قاعدة أمريكية على أراضي دولة عربية مبررًا لتحويل تلك الدولة وشعبها واقتصادها ومنشآتها النفطية إلى أهداف؟
وهل المواطن الخليجي هو الذي قرر الحرب مع إيران حتى يدفع ثمنها؟
أليس من حق دول الخليج أن تسأل: ما ذنبنا في حرب لم نخترها؟
والأخطر من ذلك هو تحويل المنطقة إلى معسكرين متقابلين: محور إيراني في مواجهة محور عربي، وكأن المطلوب في النهاية ألا تبقى دولة عربية قوية ومستقرة خارج دائرة الاستهداف.
وهنا لا بد من التوقف عند فكرة «المقاومة» نفسها.
فالمقاومة التي تتحول إلى صواريخ على الدول العربية، أو تهدد أمن الملاحة، أو تضرب الاقتصاد الإقليمي، أو تستنزف موارد الدول والشعوب، تحتاج إلى مراجعة حقيقية بعيدًا عن الشعارات.
خذوا مثال الحوثيين.
تم تقديم الحوثيين على مدى سنوات باعتبارهم جزءًا من «محور المقاومة»، ثم جاءت حرب غزة لتعيد تقديمهم بصورة أكثر انتشارًا باعتبارهم طرفًا في مواجهة إسرائيل.
لكن السؤال البسيط: ماذا كانت النتيجة على المنطقة؟
الهجمات في البحر الأحمر دفعت حركة الملاحة إلى تغيير مساراتها وألحقت أضرارًا كبيرة بالتجارة الإقليمية، وكان الاقتصاد المصري وقناة السويس من أبرز المتضررين من اضطراب الملاحة. بل إن تقديرات حديثة تحدثت عن خسائر مصرية ضخمة في إيرادات القناة بسبب اضطرابات البحر الأحمر والحرب الإقليمية.
فهل من المنطقي أن نسمي كل من يرفع شعار فلسطين «مقاومة» تلقائيًا، ثم نتجاهل النتائج الفعلية التي يدفع ثمنها ملايين العرب؟
والسؤال نفسه ينطبق على العراق.
بلد عربي أنهكته الحروب والعقوبات والاحتلال والأزمات الاقتصادية، ومع ذلك ظلت على أرضه تشكيلات وفصائل مسلحة مرتبطة بالمحور الإيراني، بما يجعل الدولة العراقية نفسها أمام معادلة صعبة بين سيادتها الرسمية ونفوذ القوى المسلحة.
وسوريا ولبنان واليمن ليست بعيدة عن المشهد.
وهنا يجب أن نسأل السؤال الذي لا يحب كثيرون سماعه:
لمصلحة من إضعاف الدول العربية واحدة وراء الأخرى؟
من مصلحة من أن يصبح العراق ضعيفًا؟
من مصلحة من أن يبقى اليمن غارقًا في الحرب؟
من مصلحة من أن يتحول لبنان إلى ساحة صراع مفتوحة؟
ومن مصلحة من أن تتراجع الدولة السورية وتنهك مؤسساتها؟
ومن مصلحة من أن تتحول القضية الفلسطينية نفسها إلى ورقة في صراعات إقليمية ودولية لا تنتهي؟
قد يختلف الناس في الإجابة، لكن المؤكد أن إضعاف الدول العربية لا يخدم شعوبها.
أما إيران، فهنا أيضًا يجب أن نطرح السؤال بلا مجاملة:
ماذا كسب المواطن الإيراني من كل هذه الحروب؟
هل أصبح الاقتصاد الإيراني أكثر قوة؟
هل تحسنت العملة؟
هل تراجعت العقوبات؟
هل تحسن مستوى معيشة المواطن؟
هل أصبحت إيران أكثر استقرارًا؟
أم أن جزءًا كبيرًا من موارد الدولة استُنزف في الصواريخ والطائرات المسيّرة ودعم الحلفاء والفصائل المسلحة، بينما يعاني المواطن الإيراني من أزمات اقتصادية متراكمة؟
القوة العسكرية وحدها لا تبني دولة.
والصواريخ لا تطعم شعبًا.
والطائرات المسيّرة لا تعالج أزمة اقتصادية.
والشعارات لا تصنع تنمية.
بل إن الحرب نفسها ألحقت أضرارًا كبيرة بالاقتصاد الإيراني، في وقت تواجه فيه البلاد أصلًا ضغوطًا اقتصادية وعقوبات ومشكلات داخلية.
إذن، إذا كانت إيران تخوض مشروعًا إقليميًا ضخمًا منذ سنوات، فأين انعكاس هذا المشروع على حياة المواطن الإيراني؟
وهنا نصل إلى السؤال الأخطر:
هل إيران خصم للولايات المتحدة وإسرائيل فقط، أم أن هناك أحيانًا تقاطعًا في النتائج بين سياسات جميع الأطراف؟
لا أقول إن إيران «عميل» للغرب؛ فهذه عبارة تحتاج إلى دليل مباشر، ولا يجوز أن تتحول إلى حقيقة لمجرد أنها تخدم تفسيرًا سياسيًا معينًا.
لكن يمكننا أن نقول شيئًا أكثر أهمية:
قد تتصارع القوى الكبرى والإقليمية، لكنها قد تلتقي أحيانًا في نتائج تضر بالدول العربية.
إسرائيل تريد إضعاف خصومها.
إيران تريد توسيع نفوذها الإقليمي.
الولايات المتحدة تريد حماية مصالحها وقواعدها وتحالفاتها.
وكل طرف يتحرك وفق حساباته.
لكن النتيجة في بعض الساحات قد تكون واحدة:
دولة عربية أضعف، اقتصاد عربي أكثر هشاشة، وشعوب عربية تدفع فاتورة صراعات لم تختَرها.
وهنا يصبح واجب المواطن العربي أن يرفض أن يُستخدم كأداة في لعبة أكبر منه.
لا تجعلوا من «فلسطين» بطاقة مرور لكل مشروع سياسي.
ولا تجعلوا من «المقاومة» شيكًا على بياض.
ولا تجعلوا من كراهية إسرائيل مبررًا لقبول أي مشروع يستهدف الدول العربية.
القضية الفلسطينية قضية عادلة، لكن عدالة القضية لا تعني أن كل من يرفع شعارها يصبح فوق النقد والمساءلة.
وفلسطين ليست عدوًا لمصر.
والعرب ليسوا أعداء بعضهم.
والاختلاف مع أي حكومة عربية أو سياسة عربية لا يعني أبدًا الوقوف مع مشروع يستهدف الدولة نفسها.
هناك فرق هائل بين أن تنتقد دولة عربية، وبين أن تقف في صف من يريد إسقاطها أو إضعافها.
وهناك فرق بين دعم الشعب الفلسطيني، وبين دعم كل تنظيم أو ميليشيا ترفع شعار فلسطين.
وهناك فرق بين مقاومة الاحتلال، وبين تحويل المنطقة كلها إلى ساحات حرب مفتوحة.
المواطن الذكي لا يُطلب منه أن يختار بين إسرائيل وإيران أو بين أمريكا وإيران؛ بل أن يختار مصلحة بلده وأمن وطنه واستقرار المنطقة.
وفي النهاية، قد تتغير التحالفات، وتتبدل الشعارات، وتتغير أسماء العمليات العسكرية، لكن القاعدة يجب أن تظل ثابتة:
لا تخون بلدك من أجل شعار.
ولا تكره عربيًا من أجل مشروع إقليمي.
ولا تسمح لأحد أن يستخدم القضية الفلسطينية ليضرب بها وطنك.
مصر أولًا، وأمنها القومي فوق كل حساب.
حفظ الله مصر وشعبها وجيشها، وحفظ بلاد العرب من الفتن والحروب والمؤامرات.
تحيا مصر.

مساحة إعلانية