مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

صابر سكر يكتب : فخ الشهود .. حين يتحول الصمت إلى تنازل قانوني

2026-01-13 05:56 AM  - 
صابر سكر يكتب : فخ الشهود .. حين يتحول الصمت إلى تنازل قانوني
صابر سكر
منبر

في ساحات التقاضي، لا يكفي أن يكون الحق ثابتًا أو مؤيدًا بعقد مكتوب، بل يتعين الدفاع عنه بوعي إجرائي كامل. فكثير من القضايا لا تُخسر لضعف في الموضوع، وإنما بسبب إغفال إجراء جوهري أو السكوت في لحظة كان الاعتراض فيها واجبًا. ويأتي حكم محكمة النقض المصرية في الطعن رقم 11454 لسنة 84 قضائية ليجسد هذا المعنى بأوضح صورة.
القاعدة القانونية وحدود تطبيقها
نصّت المادتان 60 و61 من قانون الإثبات على عدم جواز الإثبات بشهادة الشهود في التصرفات التي تجاوز قيمتها الحد القانوني، كما لا يجوز إثبات ما يخالف أو يجاوز ما هو ثابت بالكتابة إلا بدليل كتابي.
ورغم وضوح هذا النص، استقر قضاء محكمة النقض على أن هذه القاعدة ليست من النظام العام، فلا تطبقها المحكمة من تلقاء نفسها، وإنما يتعين التمسك بها صراحة وفي الوقت المناسب.
وقائع النزاع: بداية الخطأ الإجرائي
تتلخص وقائع الحكم في نزاع نشأ بين شركة إنتاج وفنان طالب بباقي أجره الثابت بعقد مكتوب. أنكرت الشركة المديونية، فقررت المحكمة إحالة الدعوى إلى التحقيق لسماع الشهود.
وهنا تحديدًا كان يتوجب على الشركة الدفع بعدم جواز الإثبات بالبينة، إلا أنها لم تفعل.
السكوت الذي تحوّل إلى تنازل
لم تكتفِ الشركة بالسكوت، بل حضرت جلسات التحقيق وطلبت أجلاً لإحضار شهودها، وهو ما اعتبرته محكمة النقض قبولًا ضمنيًا لسلوك طريق شهادة الشهود في الإثبات.
وبذلك سقط حقها في الاعتراض لاحقًا على عدم جواز الإثبات بالبينة، حتى ولو كان العقد محل النزاع بمبلغ كبير.
موقف محكمة النقض: قاعدة لا تقبل الالتفاف
أكدت محكمة النقض في حيثياتها أن الدفع بعدم جواز الإثبات بالبينة يجب إبداؤه قبل البدء في سماع الشهود، وأن السكوت عنه يُعد تنازلاً صريحًا.
كما قررت أن حضور جلسات التحقيق أو طلب أجل لإحضار الشهود يُعد إقرارًا ضمنيًا بقبول هذا الطريق في الإثبات، ولا يجوز الرجوع عنه بعد صدور الحكم.
النتيجة القضائية: خسارة كاملة بسبب إجراء
انتهت المحكمة إلى تأييد الحكم بإلزام شركة الإنتاج بسداد أربعمائة ألف جنيه باقي أجر الفنان، فضلًا عن تعويض مادي قدره عشرون ألف جنيه وتعويض أدبي قدره عشرة آلاف جنيه، مع رفض الطعن وتغريم الشركة.
وهي خسارة لم تكن نتيجة ضعف المركز القانوني، وإنما ثمرة خطأ إجرائي جسيم.
الدرس المستفاد: اليقظة الإجرائية ضرورة
يكرّس هذا الحكم مبدأ بالغ الأهمية مفاده أن الحقوق لا تضيع فقط بإنكارها، بل قد تضيع بالسكوت عن الدفاع عنها في اللحظة المناسبة. فمن يملك دليلاً كتابيًا ثم يسمح لخصمه بإثبات عكسه بشهادة الشهود دون اعتراض، يكون قد تنازل عن أحد أقوى أسلحته القانونية.
خاتمة: دقيقة قد تصنع حكمًا
في الخصومة القضائية، قد تحسم دقيقة واحدة مصير الدعوى بأكملها. والتمسك بالدفع في توقيته الصحيح ليس ترفًا قانونيًا، بل هو صمام الأمان الحقيقي لحماية الحقوق، مهما بدت ثابتة أو واضحة.

مساحة إعلانية