مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

صابر سكر يكتب : الدليل المسموم.. كيف يسقط الاتهام من شاشة الهاتف؟

2026-02-11 12:12 PM  - 
صابر سكر يكتب : الدليل المسموم.. كيف يسقط الاتهام من شاشة الهاتف؟
صابر سكر
منبر

لم يعد الهاتف المحمول مجرد وسيلة اتصال، بل أصبح سجلًا متكاملاً لحياة الإنسان: أفكاره، علاقاته، تحركاته، وصوره الخاصة. ومن هذا المنطلق، صار تفتيشه من أخطر إجراءات التحقيق الجنائي، إذ لا يقتحم جيب المتهم فحسب، بل يغزو عالمه الداخلي بكل خصوصياته.
ومع ذلك، لا تزال بعض الممارسات العملية تتعامل مع الهاتف وكأنه محفظة أو مفتاح سيارة، يُضبط ويُفتش تلقائيًا. والحقيقة أن هذا التصور لم يعد مقبولًا قانونيًا أو دستوريًا، بعد أن استقر الفقه والقضاء على أن الهاتف امتداد مباشر لحرمة الحياة الخاصة وحرمة الاتصالات.
القانون واضح: التفتيش بإذن قضائي فقط
الأصل القانوني لا يحتمل الالتواء: حظر تفتيش هاتف المتهم، والاستثناء لا يقوم إلا بإذن قضائي صريح، مُسبب، ومحدد على نحو دقيق. أي تجاوز لذلك يحوّل الإجراء من وسيلة لكشف الحقيقة إلى انتهاك للعدالة نفسها.
الخطورة لا تكمن في التفتيش ذاته، بل في الفحص العشوائي المفتوح، بلا تحديد للزمن أو نوع البيانات، تحت ذرائع "مقتضيات التحقيق". هنا، لا يكون البحث عن دليل، بل تنقيبًا عن اتهام محتمل، وهو ما يرفضه منطق العدالة قبل نصوص القانون.
الرضا الزائف: فخ القانون المهجور
الأدهى من ذلك، شيوع فكرة "الرضا" كغطاء إجرائي. فالمتهم قد يُقال إنه سمح بتفتيش هاتفه، وكأن رضا لحظة القبض أو تحت وطأة السلطة كافٍ. القانون يشترط أن يكون الرضا صريحًا، مكتوبًا، ومحدد النطاق، وإلا أصبح فخًا إجرائيًا يفرغ الضمانات من مضمونها.
ما بُني على باطل: سقوط الأدلة
القانون لا يحمي المتهم فحسب، بل يحمي العدالة نفسها. الدليل المنتهك للخصوصية لا يُقيم إدانة، بل يهدمها. الرسائل، الصور، والمحادثات التي تُحصّل بإجراء باطل تبقى بلا أثر، مهما بدت صادمة أو مغرية للاتهام. القاعدة الذهبية تقول: ما بُني على باطل فهو باطل، ولا يصلح لأي إجراء ترقيع أو حسن نية.
الخصوصية وأثرها على الثقة المجتمعية
أخطر ما يترتب على انتهاك خصوصية الهواتف ليس مجرد سقوط دليل أو براءة متهم، بل اهتزاز الثقة بالقانون ومنظومة العدالة. حين يشعر المواطن أن هاتفه أصبح مباحًا بلا ضوابط، تتحول سلطة القانون من درع حماية إلى مصدر قلق، ويترسخ شعور بانعدام الأمان القانوني.
دولة القانون لا تُقاس فقط بضبط الجريمة، بل باحترام حدود الدستور وحماية الحقوق الأساسية. التوسع غير المنضبط في تفتيش الهواتف يخلق قطيعة نفسية بين المواطن ومؤسسات العدالة، ويهدد السلم الاجتماعي على المدى الطويل.
الحل التشريعي: حماية الخصوصية واجب الدولة
يجب على الدولة وضع إطار تشريعي صارم وواضح، يُضيّق من نطاق الاستثناء، ويجعل تفتيش الهاتف إجراءً نادرًا، لا يُلجأ إليه إلا بإذن قضائي مُسبب، محدد زمنيًا وموضوعيًا، مع رقابة فعلية على التنفيذ. كما يستلزم الأمر إعادة النظر في النصوص المنظمة لتفتيش المراسلات والبيانات الرقمية، بما يواكب التطور التكنولوجي، ويحول دون تحويل الهواتف إلى مساحة رمادية تُستباح فيها الخصوصية باسم التحقيق.
خلاصة: العدالة تبدأ بالاحترام
الهاتف المحمول صندوق أسرار الإنسان. إذا فُتح بمفتاح القانون، خدم العدالة وكشف الحقيقة. وإذا فُتح بغير ذلك، لم يُدن المتهم بقدر ما أدان الإجراء نفسه. والسؤال الذي يظل حاضرًا أمام كل سلطة تحقيق: هل نبحث عن الحقيقة… أم نجرّب حظنا داخل خصوصية الناس؟

مساحة إعلانية