مساحة إعلانية
مصطفى جوهر
ثمَّة لعنة سقطت من النافذة، كان سقوطها مكتومًا؛ لأنها ارتطمت بتُراب كثيف غطَّى وجْه الحارة، بَيْدَ أن السقوط – الذي لم يكن زاعقًا – حوَّل اللعنة إلى شظايا تناثرت في الوجوه مكوِّنةً حروف هذا الكتاب. لعلنا لم نضع يدًا على أسباب السقوط المباشرة، هل هو انتحار؟ أم أنها – اللعنة – وقد ثقُلَت موازينها؛ ارتبكت وناءت تلك الكتفُ التي تحملها؛ فسقطت؟ أم أن هناك مَن ألقى بها من النافذة متخلِّصًا من أعبائها؟

الشاعر محمود خير الله
يبدأ الغلاف بمجموعة من (مشابك الغسيل)، والتي يبدو أنها تسقط سقوطًا حُرًّا في الهواء، هكذا أعلن اللباد عن السقوط، ثم جاء محمود خير الله ليأخذ بيدنا، ويضعنا على عتبات البناية، قبْل أن نصعد لنرى من النافذة، مكان سقوط اللعنة، لنتعرَّف على أسباب السقوط؛ فالإهداء هنا ليس مجرَّد كلمات رقيقة كتَبها الشاعر ليطيَّب خاطر شخص عزيز كأمِّه، كدأب كُتب كثيرة، بل هو صرخة، أو بيان يؤكِّد فيه أن المهمَّشين هُم هَمُّه الأول، فسطور وصْف الحال الأولى جاءت مقدِّمة منطقية للنتيجة: "فلأسباب كثيرة أكرَه الصاغَة". لعل أسباب كُره الشاعر للصاغة، وتفضيله أن تكون هذه السطورُ زينةً يحتفي بها، أحد الأسباب، أو نفس الأسباب التي أدَّت إلى سقوط اللعنة، وهو ما نبحثه عنه..
كان (ممح) أول الحسَرات التي واجهت الولد، منطِق القهر على جميع المستويات (الانسحاق بين قبضته والجدار/ الاضطرار للشراء تجنُّبًا للإهانة/ ابتلاع أبي الولد لصفاقة ممح/ مغازلة ممح للحبيبة) كل هذا قام به (ممح)، إلا أن الشاعر يؤكِّد أن هذه الحسراتِ كانت واضحةً جليَّة، يمكن التعامُل معها، بينما يظَل الرَّهَق من الحسرات الجديدة المتوالية، التي لا تتوقَّف من مكان إلى آخَر، ومن وقت إلى آخَر؛ فالسيارات الفارهة مقابل الجلابيب المُمزَّقة، والوجنات العامرة مقابل الشفاة المحرومة، هذا بالإضافة للحسرة التي ظلَّت مَعْلَمًا لنهاية الشهر..
(كل صباح/ يلومُ أصابعه التي/ ألقت أقلامًا من شُرفة المدرسة،/ واقتَنت المسامير،/ ثم ظلَّت تحملها إلى البنايات في الأعالي،/ فيما تهبط أصابعه فارغة/ إلى منزل الزوجية.)
لا تقف الحسرة عند اختفاء (ممح)؛ بل تظَل معنا لتؤكِّد ملامحها، التي خطَّتها في وجوه أناس، وعلى طبيعة ظهورهم المحنيَّة، وكأنهم منكفئون؛ فهذا العامل (نجَّار مسلَّح) ترَك التعليم، وظَلَّ يلضم في الخشب، ويصعد بالبنايات، ليعود بخفَّي حُنين، ثمَّة حِمل يرزح تحته العامل، ودرجة من درجات السِّلم تتواطأ مع الحِمْل؛ حتى يحقِّقا معًا حالة الانكفاء، التي سوف يتوارثها جيلٌ آخَر..
كان لابد لهذه الأجيال من المنكفئين أن يحتضنوا التراب، الذي أسماه الشاعر (تراب العالم)، فهُم أيضًا – كما كان هو صغيرًا – يعانون قهْر صاحب العمل، وقهْر الحياة، التي لا تعطف عليهم لتفريغ هذا الكبت الجنسي؛ فما كان بَعد طول لهاث وراء أيِّ شيء مؤنَّث إلا أن يستمنيَ الواحدُ منهم أطفالَه، الذين كانوا نارًا تشتعل في الأحشاء، لكن الأطفال مصيرهم التراب؛ لأنهم لم يجدوا بيئة الجنين الصحيحة، تلك البيئة التي حُرموا منها، ولاذوا بخيالهم واجترار مَشاهِد الأرداف اللحيمة..
(كان من الممكن/ أن يرحل العريس/ ولا يشتري فستانًا ورديًّا/ ولا تقف هي أمام المُصوِّر العجوز،/ الذي استحثَّها لتبتسم/ وهي لا تعرف/ أن ابتسامتها ستَجرح المطر/ أمام عيون المارة/ في شارع "محمد عز العرب"،/ رغم أن حريقًا صغيرًا/ شبَّ في "بولاق"/ التهمَ الفُستان الوردي،/ ومياه ترعة قذرة/ حرَّكت الحذاء اللامع/ حتى استقر أسفل كوبري "مُسْطُرُد"،/ ابتسمت للمصوِّر معتقدةً/ أن العريس جاهزٌ/ والضيوف أغبياء/ والأب قناص ماهر./ لعلها استيقظت الآن/ وهي تقف أمام مصلحة الأحوال المدنية/ أنها كانت تستطيع/ أن تتزوج حبيبًا/ وأن تبتسم بسعادةٍ للمصوِّر العجوز،/ لكي يفرح مطرٌ/ ظَل يسَّاقط أعوامًا/ فوق رؤوس المارة/ مجروحًا بابتسامتها.)
أناس هذا سمْتهم لن تنظر امرأة إليهم، ولن يلهث وراءهم والدها تاركًا برميلًا من النفط؛ حتى وبرغم زيف الابتسامة، لم تكن لواحد منهم، بل كانت ابتسامتها - لأعوامٍ - سببًا في جرح المطر..
هذا المطر يسقط من سماء – قال الشاعر عنها – مريضة، وتحتها حدَثت أشياء، استطاع أن يكثِّفها في جُمَلٍ سريعة متدفِّقة، دونما المساس سلبًا بالحالة؛ مما أضفي - على النصوص التلغرافية المنضوية تحت هذا العنوان - جَمالًا ورونقًا خاصًا: فالجميلات اللائي عشِقهن وأحبَّهن صِرن حبيساتِ علاقاتٍ زوجية سلبية التأثير، من الأوجه كافة، ثم يمُر بنا عبْر مشهد قصير، غاية في التكثيف والدِّقة؛ ليصوِّر حال اثنَين بدَءَا حبيبَيْن ضاحكَيْن، امتزجا في جسدٍ واحد، ثم راح أحدهما ينفث غضبه في سيجارة، والأخرى تطلِق دموعَها من محبسها عند أو لقاء غاضب بينهما، أما المرأة الحُبلَى التي تتحسَّس حَمْلها، والفتاة التي تتحسَّس فتنتَها، والطفلة التي عضَّت على شفتها، فجاءت كلُّها قطعة سينمائية، جال الشاعر بنا أمام فاترينة سريعًا راصِدًا حالاتٍ ثلاث، مؤكِّدًا أن الحسرة تجتاح الجميع، فهو يتحسَّر على مَن أحبَّهن، والثلاث صور النسائية يتحسَّرن على شيء لا نراه نحن، لكنه موجود في الفاترينة، والشاب يتحسَّر على علاقة وُئدَتْ سريعًا في تراب الغضب، بينما يتحسَّر المحِبون أكثر على الحَمَامَات اللاتي ذُبِحَت، وقُدِّمَت على مائدة الصعود الاجتماعي والاقتصادي المفاجئ.
(جرٌّوه في الصباح من عينَيه،/ أخرجوهما من مِحجريْهما/ واستخدموهما كعدستيْن،/ بعد ثلاثين يومًا/ حاسبوه على نصف أجْر؛/ لأن إحدى عينَيه كانت مفقوءة)
تولِّدُ الحسراتُ الدموعَ أحيانًا، لذا مع تتابع الحسرات؛ وجَدت الدموع راحتَها في الحيِّ الراقي النظيف، حينما تركت المحسورين المكبوتين، وكان ذلك بمثابة نُزهة وترفيه للدموع المكدودة..
للدموع عيون تقطر منها، حتى هذه العيون لم يكتفوا بدموعها؛ بل جاء من استخدمها بنصف مقابِل، وهذا الأجر - الذي انتُصِف قبْل أن يدخُل الجيب - تتقاسمه المتطلَّبات من خُبز إلى سجائر إلى يدٍ لِصّة تجذبها الصلصلة والصدى الذي يتردّد في الفراغ..
هذا الفراغ من الحقيقة والامتلاء حتى التخمة بمرارتها هو الذي دعا الأُم أن تشتري لطفلها قطارًا، وهو الذي جعَل الرجُل - الذي كان طفلًا - يبحث عن امرأة كأُمه، تعرف أن تشتري ما يُشبع المخيَّلة، عندما يعضُّهم نابُ الحقيقة، حتى يستمر دولاب الحياة..
هذه الحياة التي تحمل على صدرها – بجوار الذين أكلتهم الحسرة – أناسًا يتحسَّرون على أيامٍ خَلَت، حينما كانت الدنيا – في نظرهم – دُنيا، وهو ما يزيد المتحسرين حسرة على حسرتهم..
أما هذا الأخير؛ المخلِص الوفي لوالده، والذي خَطَّ كلماتٍ نظيفةً لا يدنِّسها ابتذالٌ في فكر أو منهج حياة، كان الأجدر بأن يكون في النهاية هو الوحيد الذي طالما حلم أبوه به في صورة أبناء برَرة، يزرعون حديقة ما في منزلٍ حلمَ أنه سيبنيه..
ما من شك أن العمل الإبداعي يعتمد على ركيزتَيْن أساسيتَيْن: خبرة المبدع وثقافته وامتلاكه لأدواته، وثقافة المتلقي وأرضيته المعرفية، التي عليها ينبني فهْمه للعمل. وبذلك تتفاوت وتتعدّد الدلالات - التي يطرحها المبدع عبْر نَصِّه - من مُتلَقٍّ إلى آخَر، ورغم أننا هنا بصدد عمْل ينتفي عنه التعدُّد الدلالي؛ إذ أن الشاعر ركّز على دلالة موجَّهة وموجِّهة في آنٍ، كعُملة ذات وجهَيْن، لكنها في النهاية عملة واحدة؛ يوجِّه الشاعر هنا وعيَ المتلقِّى إلى كل ما ذَكرنا من حسرات وقهْر وكبْت، لكن ثقافتَه وخبراتِه الحياتيةَ، كل هذا يوجِّهه لانتقاء النماذج، ورصْد حالات بعينها، دون غيرها؛ حتى يخدم الغاية التي يصبو إليها، ولا أرى في ذلك نقيصة أو إشارة سلبية؛ إذ أن أهمية القضية المطروحة تحتاج إلى الكثير والكثير لإلقاء الضوء على ملابساتها وتبعاتها، إلا أن أحادية الدلالة لا بد وأنها أعطت للشاعر رحابة وانطلاقا في بلْوَرة العمل وسبْكه فنيًّا، بما يضمن له إزالة الملل عن القارئ، وقد نجح محمود خير الله عندما عدَّد النماذج، وتحرّك بخِفَّة متنقِّلاً بين زهورها؛ ليقدِّم لنا العسل سائغًا، حتى النماذج التي قد تبدو مكرورة، كأفراد الطبقة العاملة – التي هى بؤرة العمل – جاءت النصوص راصدة لحالات مختلفة، كما صمَّم الشاعر عددًا من التلغرافات السريعة القصيرة المكثَّفة المُلخِّصة، التي تومِض أمام عين القارئ؛ لتنير الصورة، لا لتخطف بصَره تاركة إيَّاه في عماء مؤقَّت، يصحبه خلَل في الرؤية، كما قد نلقَى من أعمال ترى في الغرائبية متعة في حد ذاتها، مما يجعلها سببًا في نفور القارئ ووقوفه عاجزًا أمام رموز لغوية قد لا تُفضي إلى شيء.
ولعلنا أدركنا الآن أن أياديَ كثيرةً تكاتفت للإلقاء اللعنة من النافذة، فالقهر والحسرة بأشكالها، كما أن الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والخلْط الذي يعانيه التفكير الجمْعي؛ حيث تمتزج فيه الأمور، والذي صوَّره الشاعر بماسور مجاري تُخرِج للشارع صورةً مشوَّهة منطبعة على التراب، يدوسها - أول مَن يدوسها - الناس الذين هم أصحاب نفس الفِكر..
لذا حينما سقطت اللعنة من النافذة؛ كان سقوطها حريًّا بالتسجيل؛ لأنها ظلّت تنظر هنا وهناك باحثة عمَّن سوف تصيبهم، بعد أن أنهكت الجميع، وقضت عليهم، اللعنة سقطت من النافذة، وأطلَّ علينا محمود خير الله مبتسِمًا ليرى ماذا فعلَت فينا اللعنة، فهنيئًا لنا اللعنة، وهنيئًا له التخلُّص منها، إن كان قد تخلَّص منها فعلًا..

الكتــاب : لعنة سقطت من النافذة
المؤلــف : محمود خير الله
الناشــر : ميريت، ط1، 2001
الدراسة لـ : مصطفي جوهر