مساحة إعلانية
رحل أبي وأنا في الحادية عشرة من عمري. في ذلك السن الذي تظن فيه الطفلة أن الآباء لا يموتون، وأن الأيادي التي تمسك بنا لا تُفلت أبدًا، وأن الصوت الذي كان ينادينا في آخر الليل سيبقى إلى الأبد.
في ذلك اليوم لم أفقد أبي وحده... فقدت أماني وسندي وظهري، فقدت اليد التي حسبتها ستظل ممدودة لي مهما كبرت. فقدت ذلك اليقين الجميل بأن رجلًا في هذه الدنيا يكفيني أمرها، وأنني مهما تعثرت سأجد من يحميني، ومهما خفت سأجد من أعود إليه، ومهما قست الحياة عليّ فسيكون أبي هناك.
كنت صغيرة على أن أفهم معنى الموت، لكنني كنت كبيرة بما يكفي لأشعر بحجم الفراغ الذي تركه رحيله.
مرّت ستة وثلاثون عامًا. كبرتُ، تغيّرت ملامحي، ثقلت مسؤولياتي، وعرفتُ من الحياة أفراحها وانكساراتها، ووقفتُ أمام محطات كثيرة تمنيت فيها لو كان أبي حاضرًا لأحكيها له، لو كانت هناك كلمة منه تطمئنني، أو نصيحة تضيء لي الطريق، أو مجرد وجود يجعلني أشعر أن الدنيا ما زالت بخير.
لكن شيئًا جميلًا حدث مع توالي السنين: رحل أبي عن عيني، لكنني بدأت أراه في عيون الآخرين.
بدأت أسمع، من أناس عرفوه، حكايات لم تكن الطفلة التي فيّ تعرفها؛ عن أخلاقه، عن مواقفه، عن عمله الطيب، عن يده الممدودة لكل من احتاجها، عن أثره الذي ظل باقيًا في نفوس من عرفوه. وأتعجب في كل مرة: كيف يغيب إنسان ستة وثلاثين عامًا، وتبقى سيرته حاضرة بهذا الدفء؟
كلما جلست مع من يقول لي "والدك كان..."، أشعر أنني أتعرّف إلى أبي من جديد، أكتشف أبًا أكبر بكثير من الذكرى التي احتفظت بها طفلة في الحادية عشرة. أسمع الحكاية فأبتسم رغم وجع الفقد، ويخفق قلبي، وتفيض عيناي بالدموع — لكنها هذه المرة ليست دموع الحزن على غيابه وحده، بل دموع الفخر والامتنان أيضًا.
أدركت أن أجمل ما تركه أبي بعد رحيله لم يكن شيئًا يُمسك باليد، بل سيرة طيبة، وقلوبًا ما زالت تذكره بالخير، وأناسًا لم تمحُ السنون مواقفه من ذاكرتهم. ربما كسرني فراقه، وما زال في القلب مكان لا يملؤه أحد، لكنني في الوقت نفسه أفخر كلما اكتشفت كم كان محبوبًا.
رحل أبي عن الدنيا، لكن سيرته لم ترحل معه؛ بل كأن السنين جعلتها أطول وأعمق وأكثر حضورًا. غاب عن عيني منذ ستة وثلاثين عامًا، لكنه يكبر في قلبي كل يوم، وتكبر معه حكاياته في أفواه من عرفوه.
كبرتُ أنا، لكن بداخلي ظلت تلك الطفلة الصغيرة التي تتمنى لو عاد أبوها للحظة واحدة، لتضع رأسها على كتفه وتقول: "وحشتني يا أبي". ومع كل حكاية أسمعها عنه، أشعر أنني أسترد جزءًا منه من جديد. فالأب لا يعيش فقط في البيت الذي تركه، ولا في الصور القديمة، ولا حتى في ذكريات أبنائه وحدهم؛ أحيانًا يعيش في أخلاق يتحدث عنها الناس، وفي دعوات من أحبوه، وفي أثر طيب يمتد حتى بعد أن يرحل الجسد بسنوات طويلة.
رحم الله أبي، الرجل الذي غاب عن عيني منذ ستة وثلاثين عامًا، وما زال حاضرًا في قلبي، وفي دعائي، وفي حكايات الناس عنه.
اللهم ارحمه رحمة واسعة، واغفر له، وأنر قبره، واجعل كل عمل طيب فعله في الدنيا نورًا له فيه، وكل قلب أحبه شاهدًا له، وكل دعاء يُرفع باسمه رحمة تصله. اللهم اجزه عني وعن كل من أحبه خير الجزاء، وارفع درجته في المهديين، واجمعني به في جناتك يومًا لا فراق فيه.
اللهم ارحم أبي وآباءنا جميعًا، الأحياء منهم والأموات، واحفظ من بقي منهم، وأطل أعمارهم في طاعتك، وبارك في صحتهم وأيامهم، ومن رحل منهم فاجعل قبره روضة من رياض الجنة. اللهم لا تحرم أبًا من أبنائه، ولا ابنًا من أبيه، واجعل لكل أب رحل أثرًا طيبًا لا ينقطع، ودعاءً لا يتوقف، ورحمة تمتد إليه ما امتدت الحياة.
رحم الله أبي، ورحم كل أب ترك في الدنيا قلبًا صغيرًا ما زال يناديه: وحشتني يا أبي.