مساحة إعلانية
يجمع الرئيس الفيتنامي تو لام Tô Lâm بين العمل السياسي والخلفية العسكرية والأكاديمية، ولذلك يعد من أهم منظرى القيادة السياسية في تاريخ فيتنام. فهو حاصل على لقب أستاذ علوم الأمن، ودكتوراه في القانون، وشهادة متقدمة في النظرية السياسية؛ ووصل إلى رتبة جنرال في جهاز الأمن العام الشعبي الفيتنامي. وقد انضم إلى الحزب الشيوعي الفيتنامي في 22 أغسطس 1981. وتدرج في المناصب القيادية بالحزب حتى أصبح عضوًا في المكتب السياسي في دوراته الثانية عشرة والثالثة عشرة والرابعة عشرة؛ وعضوًا في اللجنة المركزية للحزب في دوراته الحادية عشرة والثانية عشرة والثالثة عشرة والرابعة عشرة؛ وشغل مناصب عديدة في قطاع الأمن العام، منها وزير الأمن العام، ونائب وزير الأمن العام، ومدير عام الإدارة العامة للأمن الأول.
انتخبت الجمعية الوطنية الخامسة عشرة لفيتنام تو لام رئيسًا للبلاد في 22 مايو 2024. بعد استقالة الرئيس فو فان ثونغ من منصبه. وفي 3 أغسطس 2024، انتخبته اللجنة المركزية الثالثة عشرة للحزب أمينًا عامًا في مؤتمرها الاستثنائي، خلفًا للأمين العام نجوين فو ترونغ. وبذلك أصبح تو لام رابع شخص في التاريخ السياسي الفيتنامي يشغل منصبي رئاسة الحزب ورئاسة الدولة في آن واحد، بعد هو تشي منه، وترونغ تشينه، ونجوين فو ترونغ. واستمر في منصب الرئيس حتى أكتوبر من العام نفسه، حين انتخبت الجمعية الوطنية لونغ كوونغ خلفًا له. إلا أنه بعد أقل من عامين، ومع انتهاء ولاية الجمعية الوطنية الخامسة عشرة لفيتنام، انتُخب تو لام رئيسًا للبلاد مرة أخرى. وأدى انتخاب الأمين العام تو لام رئيسًا في بداية هذه الولاية إلى توحيد منصبي الأمين العام والرئيس في منصب واحد، ليصبح تو لام أول شخص بعد هو تشي منه يقوم بذلك.
يمتلك تو لَام مسيرة طويلة في الكتابة والتأليف، حيث تركزت معظم مؤلفاته وكتبه حول الأيديولوجيا السياسية، والأمن القومي، وقد نُشر له العديد من الكتب، منها: فكر هو تشي منه بشأن الأمن العام للشعب، عام 2015. وأيديولوجيا هو تشي منه بشأن الكوادر وعمل الكوادر في الأمن العام للشعب، عام 2017. والجماهير- العامل الحاسم في كسب المعركة لحماية الأمن والنظام، عام 2017. وفكر هو تشي منه بشأن دور الشعب في قضية حماية الأمن والنظام، عام 2017. وشرطة فيتنام الشعبية مع أعمال هو تشي منه كشرطي ثوري، عام 2018. كما جُمعت مقالاته وخطاباته في مؤلفات تُحدد الرؤية المستقبلية لفيتنام، مثل كتاب: تكريم ضباط الأمن العام، عام 2025. وكتاب ضخم يقع في 766 صفحة، صدر في فبراير 2025، يضم 80 مقالاً وخطابًا ومقابلة مختارة بعناية من بين أكثر من 500 من كتابات تُو لَام لتسليط الضوء على دور الأمن العام الثوري. ونشر له عام 2024 ثلاثة مؤلفات ومقالات محورية تؤسس للمرحلة السياسية الحالية لفيتنام، هي: عازمون على بناء حزب قوي وفيتنام مزدهرة وديمقراطية وعادلة ومتحضرة. والتحول الرقمي- محرك رئيسي لتطوير قوى الإنتاج وإتقان علاقات الإنتاج لعصر جديد. والاستمرار في ابتكار أساليب القيادة والحوكمة للحزب: متطلب ملح للمرحلة الثورية الجديدة".
تقوم رؤية تو لام، لبناء فيتنام الحديثة على إعادة صياغة العلاقة بين التنمية الاقتصادية والإصلاح المؤسسي والقدرة التنافسية الوطنية، في إطار ما يصفه الخطاب الرسمي بمرحلة جديدة من التنمية. ومنذ توليه منصب الأمين العام في أغسطس 2024، برزت في خطابه فكرة أن فيتنام تحتاج إلى تسريع وتيرة النمو، وتحسين كفاءة مؤسسات الدولة، وإطلاق الطاقات الإنتاجية للمجتمع، بما يسمح لها بالوصول إلى أهدافها التنموية بعيدة المدى. ويحتل الإصلاح المؤسسي موقعًا مركزيًا في هذه الرؤية. فقد دعا إلى بناء جهاز دولة أكثر كفاءة، وتقليص الإجراءات البيروقراطية، وإعادة تنظيم الهياكل الحكومية بما يحد من التداخل بين المؤسسات ويرفع سرعة اتخاذ القرار. وفي عام 2025 شرعت فيتنام في تنفيذ إعادة هيكلة واسعة للجهاز الإداري، شملت دمج عدد من الوزارات والهيئات وتقليص المستويات الإدارية، إلى جانب الانتقال إلى نموذج إداري أكثر تركيزًا على الكفاءة وتقديم الخدمات العامة. ويعكس ذلك تصورًا يعتبر أن الإصلاح الإداري ليس مسألة تنظيمية فقط، وإنما شرط لرفع قدرة الدولة على قيادة عملية التنمية.
ويرتبط الإصلاح المؤسسي في رؤية الرئيس تو لام بمفهوم تحرير الموارد الاجتماعية والاقتصادية. فالدولة، وفق هذا الاتجاه، لا يجب أن تكون مجرد جهة إدارية تضع القواعد، وإنما مؤسسة قادرة على تهيئة البيئة التي تسمح للقطاع الخاص والاستثمار والابتكار بالمساهمة بصورة أكبر في الاقتصاد. ولذلك ركز الخطاب السياسي في المرحلة الأخيرة على تحسين بيئة الأعمال، وحماية حقوق الملكية، وتبسيط الإجراءات، وزيادة قدرة الشركات الفيتنامية على التوسع محليًا ودوليًا.
يمثل الاقتصاد الرقمي والتحول التقني، أحد المحاور الأكثر وضوحًا في مشروع فيتنام الحديثة. فقد أصبحت التقنيات والابتكار والذكاء الاصطناعي والبيانات عناصر متزايدة الأهمية في الاستراتيجية الوطنية. ويأتي ذلك في سياق سعي فيتنام إلى الانتقال من نموذج يعتمد بدرجة كبيرة على العمالة والتصنيع كثيف العمالة إلى اقتصاد أكثر اعتمادًا على المعرفة والقيمة المضافة العالية. وقد عززت الدولة سياساتها المتعلقة بالعلوم والتقنيات والابتكار والتحول الرقمي، باعتبارها أدوات لرفع الإنتاجية وتحسين القدرة التنافسية.
تكتسب البنية التحتية أهمية خاصة في هذا التصور؛ إذ إن بناء فيتنام الحديثة يتطلب شبكة متطورة من الطرق والسكك الحديدية والموانئ والمطارات والطاقة والاتصالات. ويولي تو لام أهمية لتسريع تنفيذ المشروعات الكبرى، باعتبارها وسيلة لربط الأقاليم وتعزيز التكامل الاقتصادي وتقليل تكاليف النقل وفتح المجال أمام مراكز اقتصادية جديدة. ومن أبرز الاتجاهات في هذا المجال تطوير شبكات السكك الحديدية، بما فيها مشروعات الربط بين المراكز الاقتصادية الرئيسية، إلى جانب الاستثمار في البنية التحتية الرقمية والطاقة.
وتتصل هذه السياسة بهدف أوسع يتمثل في رفع مكانة فيتنام في سلاسل القيمة العالمية. فقد تحولت البلاد خلال العقود الأخيرة إلى مركز مهم للتصنيع والتصدير، وجذبت شركات دولية كبرى، خصوصًا في الإلكترونيات والتقنيات. إلا أن الرؤية الجديدة تسعى إلى زيادة المكون المحلي في هذه السلاسل، وتطوير الشركات الوطنية، وتعزيز البحث والتطوير، بحيث لا تظل فيتنام مجرد قاعدة للإنتاج والتجميع، بل تصبح أكثر قدرة على إنتاج التقنيات والمنتجات ذات القيمة المضافة المرتفعة.
تحظى التنمية الاجتماعية، جانبًا مهمًا في رؤية تو لام للتنمية، على اعتبار أن أي عملية يجب أن تنعكس على نوعية حياة المواطنين. ويشمل ذلك تطوير التعليم والصحة والإسكان والحماية الاجتماعية، مع التركيز على تنمية الموارد البشرية. وتزداد أهمية التعليم والتدريب المهني في ظل التحول من الاقتصاد الصناعي التقليدي إلى الاقتصاد الرقمي، إذ تحتاج فيتنام إلى قوة عمل تمتلك مهارات تقنية وعلمية تتناسب مع متطلبات المرحلة الجديدة.
كما ترتبط عملية بناء فيتنام الحديثة بتعزيز الوحدة الوطنية والاستقرار الاجتماعي. ويضع الحزب الشيوعي الفيتنامي الاستقرار السياسي في إطار البيئة الضرورية لاستمرار التنمية وجذب الاستثمار وتحقيق التحول الاقتصادي. وفي رؤية تو لام، فإن قوة الدولة لا تقاس فقط بحجم الاقتصاد، وإنما أيضًا بقدرتها على الحفاظ على النظام الاجتماعي، وتعزيز الثقة بالمؤسسات، والاستجابة للتحديات الجديدة.
ترتكز رؤية فيتنام في علاقاتها الدولية على مواصلة الاندماج الدولي المتوازن. فقد أقامت فيتنام شبكة واسعة من الشراكات الاقتصادية والسياسية، وأقامت علاقات استراتيجية وشراكات استراتيجية شاملة مع عدد متزايد من الدول. ويتيح هذا النهج تنويع الأسواق ومصادر الاستثمار والتقنيات، ويقلل من الاعتماد على سوق واحدة أو قوة اقتصادية واحدة. كما ينسجم مع سياسة فيتنام الخارجية القائمة على الاستقلالية والتعددية وتنويع العلاقات.
وفي البعد الاستراتيجي طويل المدى، ترتبط رؤية تو لام بالأهداف الوطنية التي حددها الحزب، ولا سيما الوصول إلى دولة ذات دخل مرتفع بحلول عام 2045، بالتزامن مع الذكرى المئوية لتأسيس جمهورية فيتنام الديمقراطية عام 1945. وبين هذا الهدف ومرحلة التنمية الحالية تبرز مجموعة من التحديات، أبرزها رفع الإنتاجية، وتضييق فجوة التنمية بين المناطق، ومواجهة آثار تغير المناخ، وتطوير مصادر الطاقة، وتحسين جودة التعليم، وتعزيز قدرة الاقتصاد على الابتكار.
تتبلور رؤية تو لام حول انتقال فيتنام من مرحلة تسريع النمو إلى إعادة تشكيل نموذج للتنمية خاص بفيتنام الجديدة، نموذد يقوم على "دولة أكثر كفاءة إداريًا، واقتصاد أكثر اعتمادًا على التقنيات والابتكار، وبنية تحتية أكثر ترابطًا، وقطاع خاص أكثر نشاطًا، وقوة عاملة أكثر تأهيلًا، وانفتاح دولي يحافظ في الوقت نفسه على استقلالية القرار الوطني". حيث ترتكز رؤية تو لام حول قيادة فيتنام نحو "عصر جديد" من النمو الاقتصادي، والتحول الرقمي، وتعزيز مكافحة الفساد لإرساء بيئة إدارية واقتصادية نظيفة وجذابة للمستثمرين. وتحويل فيتنام إلى قوة إقليمية صاعدة. وتعزيز العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية مع القوى الكبرى بما يخدم المصالح الوطنية الفيتنامية واستقرار المنطقة.