مساحة إعلانية
لم يكن مسلسل رأس الأفعى عملاً درامياً عابراً مرَّ في سباق المشاهدة مرور الكرام، بل بدا وكأنه حجر أُلقي في بحيرة راكدة، فارتفعت الأمواج، وتعالت الصرخات، وخرجت من خلف الستار وجوهٌ لم تكن تودّ أن تُرى.
منذ الحلقات الأولى، فرض العمل نفسه بقوة داخل السباق الدرامي، متصدّراً منصات المشاهدة ومثيراً جدلاً واسعاً على مواقع التواصل. لم يعتمد على الإثارة المجانية، بل على حبكة تتكئ على الصراع الخفي داخل تنظيم مغلق، حيث تتشابك السلطة بالمال، وتتصارع الولاءات خلف جدران السرية. وهنا تحديداً بدأ التوتر.
اللافت أن الهجوم الأعنف على المسلسل لم يأتِ من نقاد الفن، بل من أنصار الجماعة الذين رأوا فيه مرآةً تعكس ما لا يرغبون في رؤيته. غير أن المفارقة الكبرى أن الردّ لم يأتِ من خارج الدائرة، بل من داخلها… من رجلٍ كان يوماً في قلب التنظيم.
شاهد من الداخل… لا من الهامش
الدكتور محمد حبيب ليس اسماً عابراً في تاريخ الجماعة. أستاذ جيولوجيا، وقيادي تدرج في الصفوف حتى صار نائباً للمرشد العام عام 2004، وعضواً بمجلس الشعب لثلاث سنوات. رجلٌ اطّلع على التفاصيل الدقيقة، وعرف دهاليز القرار، ثم خرج ليكتب مذكراته ويكشف ما سمّاه “رحلة الصعود إلى الهاوية”.
في مقابلاته الإعلامية عام 2020، وجّه اتهامات صريحة إلى محمود عزت، الرجل الذي عُرف داخل الأوساط التنظيمية بلقب “الصندوق الأسود”. وصفه بأنه المتحكم الفعلي في مفاصل القرار، والمتصرف في الملفات الحساسة، وصاحب النفوذ الممتد خلف الواجهات الرسمية.
الخطورة هنا ليست في الاتهام ذاته، بل في مصدره.
بين الدراما والواقع… حين تتقاطع الخطوط
نجاح “رأس الأفعى” لم يكن مجرد نجاح فني، بل نجاح في ملامسة منطقة محرّمة:
من يحكم داخل التنظيم؟
كيف تُدار الأموال؟
هل الشورى حقيقية أم شكلٌ بلا مضمون؟
ومن يقف خلف الواجهة حين تضاء الكاميرات؟
المسلسل قدّم صورة درامية لصراع السلطة داخل تنظيم مغلق، بينما جاءت تصريحات حبيب لتمنح تلك الصورة بعداً توثيقياً مثيراً. هو نفسه تحدّث عن:
صراع تيارات داخلية بين “الإصلاحي” و”التنظيمي الصارم”.
إدارة مالية بلا شفافية واضحة.
شبكة ولاءات تتقدّم على المؤسسية.
ازدواجية القرار بين الدعوي والسياسي.
هذه النقاط، سواء اتفق المرء معها أو اختلف، جعلت العمل الدرامي يبدو كأنه يعيد قراءة وقائع سبق أن طُرحت من الداخل.
لماذا اشتعل الجدل؟
لأن الدراما حين تنجح، لا تكتفي بالإمتاع؛
هي تهزّ السرديات المستقرة.
“رأس الأفعى” لم يقدّم خطاباً سياسياً مباشراً، بل اعتمد على الرمزية:
رأسٌ يدير…
وجسدٌ يتحرك…
وولاءاتٌ تتنازع في الظل.
وهنا تكمن قوته الفنية؛ إذ لم يهاجم ببيان، بل حكى بحبكة، ولم يرفع شعاراً، بل صنع شخصية.
صراع أشخاص… أم أزمة بنية؟
السؤال الأعمق الذي يطرحه الجدل ليس: من أخطأ؟
بل: هل الأزمة أزمة أفراد أم أزمة هيكل؟
التجارب التنظيمية المغلقة، بطبيعتها، تميل إلى تركيز القرار، وإلى السرية، وإلى شبكة الثقة الضيقة. وعندما تتصدع هذه الشبكة، يظهر الصراع لا كخلاف سياسي فحسب، بل كصدام على تعريف “الشرعية” داخل الكيان نفسه.
من هنا يمكن فهم لماذا بدا المسلسل وكأنه “يجرح في العصب”، ولماذا أعادت تصريحات حبيب إشعال الأسئلة القديمة.
الخلاصة: حين تتكلم المرايا
الدراما لا تصنع الواقع، لكنها تكشف طبقاته.
والشهادات الداخلية لا تهدم الكيانات، لكنها تفتح النوافذ.
نجاح “رأس الأفعى” في السباق الدرامي لم يكن فقط في نسب المشاهدة، بل في قدرته على إعادة النقاش إلى السطح. أما عبارة “شهد شاهد من أهلها”، فليست حكماً نهائياً، بل عنواناً لمرحلة تتصارع فيها الروايات، وتتنافس فيها القراءات.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة أعقد من مسلسل