مساحة إعلانية
لم يعد الحديث عن جيل Z رفاهية فكرية أو نقاشًا نظريًا بين المثقفين بل أصبح ضرورة مجتمعية ملحّة في ظل التحولات العميقة التي يشهدها المجتمع على مستوى القيم و السلوك و أنماط التفكير فهذا الجيل الذي وُلد في عالم مفتوح بلا حدود رقمية وجد نفسه محاصرًا بسيل لا ينتهي من المعلومات و الصور والأفكار دون أن يمتلك في كثير من الأحيان أدوات الفرز أو الوعي النقدي اللازم للتعامل معها
جيل Z هو أول جيل يتشكل وعيه بالكامل داخل الفضاء الرقمي لم يعرف الانتظار و لم يتربَّ على الصبر و لم يختبر المعنى الحقيقي للتدرج في تحقيق الأهداف فكل شيء متاح بضغطة زر و كل شهرة ممكنة بمقطع فيديو و كل رأي يمكن أن يتحول إلى قضية عامة خلال دقائق و هنا تكمن الخطورة
المشكلة ليست في التكنولوجيا ذاتها بل في تحولها من وسيلة مساعدة إلى سلطة بديلة تفرض مفاهيم جديدة للنجاح و القدوة و الانتماء فأصبح النجاح عند البعض عدد مشاهدات لا قيمة مضافة و أصبح القدوة صانع محتوى لا صاحب علم أو تجربة و أصبح الصوت الأعلى هو الأهم لا الأصدق
جيل Z يعيش صراعًا داخليًا حادًا بين رغبة في إثبات الذات و خوف عميق من الفشل و بين بحث عن الحرية و غياب للضوابط و بين وعي بالقضايا العالمية و تجاهل لقضايا المجتمع المحلي هذا التناقض أفرز حالة من القلق المجتمعي و الاضطرابات النفسية و الشعور الدائم بعدم الرضا و هي أعراض لم تكن بهذا الانتشار في الأجيال السابقة
و من أخطر ما يواجه هذا الجيل هو غياب المرجعية الواضحة فبعد أن تراجع دور الأسرة و ضعفت المدرسة و غابت القدوة الحقيقية تُرك الشاب فريسة لخوارزميات لا تعرف القيم و لا تعترف بالثوابت بل تروّج لما يحقق الانتشار فقط حتى لو كان هدامًا أو شاذًا أو مخالفًا لهوية المجتمع
الخطاب السائد الذي يحمّل الجيل وحده المسؤولية خطاب قاصر و غير عادل فجيل Z لم يختر هذا الواقع بل وُلد داخله و المسؤولية الحقيقية تقع على المجتمع بكل مؤسساته حين انسحب من دوره التربوي و ترك الساحة فارغة لمن لا يحمل مشروعًا و لا رسالة
نحن لا نحتاج إلى صدام مع جيل Z و لا إلى شيطنته بل إلى فهمه و احتوائه و إعادة بناء الجسور معه عبر لغة يفهمها و منهج يحترم عقله و يعيد تعريف المفاهيم المغلوطة التي ترسخت لديه فالتوعية لا تكون بالمنع فقط بل بالبديل و لا تكون بالصوت العالي بل بالحجة و القدوة
المطلوب اليوم مشروع وعي شامل يبدأ من الأسرة التي يجب أن تستعيد دورها لا كسلطة قمعية بل كمرجعية أخلاقية و يشمل مدرسة تعلّم التفكير لا الحفظ و إعلامًا يقدم محتوى جذابًا دون تفريط في القيم و شخصيات عامة تستحق أن تكون قدوة حقيقية
جيل Z طاقة هائلة إذا وُجهت بشكل صحيح يمكن أن تكون أداة بناء لا معول هدم و يمكن أن تقود نهضة لا فوضى و يمكن أن تحمي الهوية بدل أن تذيبها لكن تركه بلا توجيه هو أخطر قرار يمكن أن يتخذه أي مجتمع
الرهان الحقيقي ليس على كبح هذا الجيل بل على استثماره و على تحويل وعيه من وعي لحظي سريع إلى وعي عميق مسؤول و على نقل البوصلة من البحث عن الشهرة إلى البحث عن القيمة و من اللهاث خلف التريند إلى صناعة الأثر
في النهاية جيل Z ليس أزمة بل مرآة تعكس واقعنا فإن صلحنا المنهج صلح الجيل و إن تركنا الساحة فراغًا ملأها غيرنا بما لا يشبهنا و لا يخدم مستقبلنا و سلاما عليكي يا بلادي في كل وقت و في كل حين .