مساحة إعلانية
كتب المؤرخ المصري (مانيتون السمنودي) كتابه (الجبتانا) في القرن الثالث قبل الميلاد، وصف فيه قصة الخلق وأحداث أول الزمان في مصر، وما أصابها من تمزّق بسبب حروب (ست) مع (أوزوريس) و(حورس)، وكيف كلّفت الآلهة الملك (نارمر) بتوحيد مصر، لينتهي عهد حكّام مصر من الملوك الآلهة –كما ورد في بردية (تورين)- ويبدأ عهد حكّام مصر من الملوك البشر. وتحدّث (مانيتون) عن ملك عادل حكم البلاد في عصر ما قبل الأسرات، وأنه أول من علم الجبتيين (المصريين) البناء بالحجر وتخطيط المدن؛ فأسكنهم البيوت بعدما سكنوا الكهوف خوفًا من الوحوش والضواري، وعلمهم الزراعة والري وأخترع أدواتهما مثل الشادوف والمحراث، وعلمهم الحكمة والخط بالقلم ولبس المخيط، واهتم بعلوم الطب والفلك ومقياس النيل وضبط جريانه، وكان أول من شيد المعابد الضخمة.
وكان ذلك الملك يتلقى وحي الآلهة ويرى الرؤية الصادقة، وكان يتلقى بين الحين والآخر دعوة من الآلهة ليصعد إلى السماء؛ ليتلقى تلك العلوم وفنون الحياة، ثم يعود ليعلمها لأهل الأرض، وقد حكم مصر بالعدل فازدهرت على يديه ونشأت حضارتها العظيمة، وكما ذكرت بردية (تورين) أنه الملك قبل الأخير من ملوك مصر الآلهة، وقد صورته الرسومات المصرية القديمة على هيئة جسد راقد تنبت منه عيدان الزرع. لكنه لم ينج من أحقاد الشيطان (ساتان)، ونالته يد الغدر فقتله أخوه (ست) -إله الشر والحرب والفوضى- وفرق جسده في أقطار مصر، لكن زوجته إيزيس جمعت أشلاءه مرة أخرى، وكافأته الآلهة ورفعته مكانًا عليًا، فأصبح أوزوريس قاضي قضاة محاكمة الناس في الآخرة، وأحد أفراد تاسوع آلهة مصر المقدس. وفي كتاب (كنزا ربا)- أي الكنز العظيم -المطبوع في كوبنهاجن سنة 1815م- وهو الكتاب المقدس عن الصابئة، جاء ذكر رجل عظيم كان يحفظ الكتب المقدسة كما أنزلت على (آدم) من الحي الأذلي، ويحتفظ بها في مكان مغلق. ذلك هو النبي (دنانوخ أو دنانوخت) رابع أنبياء الصابئة السبعة (آدم، شيث بن آدم، أنوش، دنانوخ، نوح، سام ابن نوح، ويحيي) عليهم السلام، والصابئة هم أتباع سيدنا يحيي بن زكريا وهو آخر أنبيائهم، فلم يؤمنوا بنبي بعده، وينتشرون في فلسطين والعراق وإقليم الأحواز في إيران، وشريعتهم خماسية تقوم على (شهادة التوحيد، الصلاة، الصوم، الصدقة، والصباغة)، والصباغة هي الاغتسال بماء النهر (الرافدين)، ومنها اشتق اسمهم (صائبة) من الفعل الآرامي مصبتا أي صبغ واغتسل. يؤمن (الصابئة) أن ملاكًا نورانيًا (هيبل زيوا "جبرائيل") قد ظهر لدنانوخت ودعاه إلى العروج إلى السماء، ففعل –أثناء النوم- وتنقل من كوكب لآخر حتى كوكب الشمس وهو مكان النور، ثم عرج إلى الجنة، وقد حاول (دنانوخت) التوقف عن العروج لكن الملاك أمره بمواصلة الرحلة حتى موضع (ملكا إد نهورا) أي ملك النور، ثم تنقل من عالم نوراني إلى آخر حتى وصل موضع مملوء بالملائكة، حيث سماء السماوات وبحر الضياء ومياه النور، وقد حاول (دنانوخت) المكوث هناك في عالم الضياء، لكن الملاك (هيبل زيوا) قال له: "ألم أقل لك بأنك يجب أن تعود لتقص إلى الناس ما رأيت، ولهذا سيتعلمون وسيؤمنون ولا ينكرون". (كتاب الأديان والمذاهب بالعراق ماضيها وحاضرها. ل رشيد مخيون). وفي التوراة والأنجيل جاء ذكر (أخنوخ) الذي صعد إلى السماء، وهو أخنوخ بن يارد بن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم (سفر التكوين).
في سفر التكوين: "سار أخنوخ مع الله، ولم يوجد لأن الله أخذه" (تك 5: 24).
وفي رسالة بولس الرسول يقول: "بالإيمان نُقل أخنوخ لكي لا يرى الموت، ولم يُوجَد لأن الله نقله، إذ قبل نقله شُهد له بأنّه قد أرضى الله" (عب 11: 5).
وفي رسالة يهوذا: "وتنبّأ عن هؤلاء أيضا أخنوخ السابع من آدم قائلًا: قد جاء الرب في رَبوات قديسيه" (يه 1: 14). ويقول علماء الإسلام أن (أخنوخ) هو سيدنا (إدريس) عليه السلام، وأن موضعه في السماء الرابعة كما جاء في قصة الإسراء والمعراج، وقد ورد ذكره في أكثر من موضع في القرآن الكريم:
(وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا (56) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا). (مريم 56) وبخلاف نبوءته في الإسلام له أعمال دنيوية عظيمة، وينسب إليه تخطيط المدن ولبس المخيط والسكن في البيوت، وأنه أول من خط بالقلم، وأول من ركب الخيل وجاهد في سبيل الله، ويذكر جلال الدين السيوطي في كتابه (حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة)، أنه كان بأرض مصر وقد أطاعه ملكها وآمن به، وأنه دبّر أمرها وأصلاح نظام الزراعة والري فيها، وكان أول من تحدث في علم النجوم والهندسة ووضع فيها الكتب. ويقول ابن تغري بردي في كتابه (النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة) "أنه استدل بفهمه لحركة الكواكب على قرب الطوفان، فبنى الأهرامات وأودعها العلوم التي خشي من ضياعها". وذكر المقريزي في كتابه (الخطط والأثار-الخطط المقريزية) أن إدريس عليه السلام قد ملك مصر وكان أول من بنى بها بيوتا للعبادة، وإنه أول من علم الناس الطب. وفي الثقافة الإسلامية هو من مواليد العراق وقد اتاه الله النبوة وخرج بمن آمن به وهم قليلون من العراق فشق عليهم ذلك وقالوا له: أين نجد مثل بابل؟ فقد كانت بلد عظيم وجميل فقال لهم: الله رزقنا هنا وهو رازقنا غيره. فخرجوا وساروا حتى مصر وعندما رأي سيدنا إدريس نيل مصر وقف عليه وسبح الله ثم سكنها وحكمها بالعدل وعلم أهلها فنون الحياة. وبالعودة إلى أوزوريس نجد علاقة المصريون به تختلف عن بقية آلهة مصر القديمة، فهي علاقة محبة وعرفان أكثر من كونها رهبة العبادة والخوف من الإله، فلم ينسبوا له خلق الكون أو أي من المخلوقات، ولم يجسدوه في صفة حيوانية على غرار بقية الآلهة، فكان دائما في الثقافة والفنون المصرية القديمة في صورة آدمية ورمز للعطاء والحكمة والخير في الدنيا، تعرض للمؤامرة والخيانة من أهل الشر في الأرض فخانوه وقتلوه، لكن السماء لم تتركه فقد ارتقى إليها ليصبح شاهداً على الناس في محكمة الموتى ورمزاً للسعادة في الحياة الآخرة. إن ما بين أوزوريس وإدريس من تطابق يفوق تشابه الاسم والحقبة الزمنية لحكم مصر، بداية من تعليمهما للناس فنون الحياة كالطب والزراعة واللبس والسكن وانتهاء بالارتباط بالسماء والارتقاء إليها والخلود فيها. وينطبق على كلاهما وصف (الملك العادل المُلهَم من السماء) وقد أورث الأول ملكه وحكمته لابنه حورس وأورثها الثاني لابنه متوشالح. وتتشابه عقيدة الاوزوريين مع الإسلام في الاعتقاد في البعث والحساب والميزان في الأخرة، والخلود في الجنة (يارو) إن كان صالحا في الدنيا أو يلقى إلى وحش خرافي (عمعموت) ليلتهمه إن كان من العصاة المفسدين. فهل كان أوزوريس ملكاً عادلاً أم كان نبياً ملهماً تحولت سيرته إلى أسطورة خرافية بفعل الزمن؟ وهل يشابه ذلك ما ورد في القرآن الكريم في قوله تعالى: (وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلَا سُوَاعاً وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرا). (نوح 23) يُقال إنهم كانوا رجالاً صالحين ثم عبدهم الناس بوسوسة الشياطين. ربما ؟!
