مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

د. أيمن الداكر يكتب: هوامش على دفتر المحروسة - أم البلاد

2023-12-17 07:51 PM  - 
د. أيمن الداكر يكتب: هوامش على دفتر المحروسة  - أم البلاد
الغلاف
منبر

منذ سبعمائة عام تقريبًا، وبالتحديد في ربيع 1326 ميلادية، زار الرحالة المغربي ابن بطوطة أرض مصر، وقال عنها في كتابه (تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار): (ثم وصلْت إلى مدينة مصر، هي أم البلاد وقرارة فرعون ذي الأوتاد، ذات الأقاليم العريضة والبلاد الأريضة، المتناهية في كثرة العمارة، المتباهية بالحسن والنضارة، مجمع الوارد والصادر، ومحط رحل الضعيف والقادر،.....) وجدير بالذكر أن رحلة ابن بطوطة المُلقّب بأمير الرحالة المسلمين، امتدت لأكثر من مائة وعشرين ألف كيلومتر، زار خلالها أكثر من أربعة وأربعين دولة بالتقسيمات الحالية في قارات العالم القديم الثلاث. لكنه اختص مصر وحدها بوصف (أم البلاد) ولم يسمي به بلاد أخرى، وقد حمل في وصفه العديد لمصر في طياته أسباب ذلك اللقب، لكن من أجمل ما قاله عنها في ظني (كريمة التربة، مؤنسة لذوي الغربة). ومنذ ألف وأربعمائة عام تقريبًا، أوصى سيدنا محمد بأهل مصر خيراً في الحديث الشريف في صحيح مسلم، عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنكم ستفتحون مصر، وهي أرض يُسمّى فيها القيراط، فإذا فتحتموها فاستوصوا بأهلها خيرًا، فإنّ لهم ذمّة ورحمًا، فإذا رأيتَ رجُلين يختصمان في موضع لبنة، فاخرج منها). وفي رواية أخرى ذمة وصهرا. وقد ذكر المفسرون أن الذمة والرحم أو الصهر نسبة إلى السيدتين المصريتين (هاجر ومارية القبطية)، فمارية هي أم ولده إبراهيم، والسيدة هاجر هي أم جده سيدنا إسماعيل عليه السلام، ومنها جاء لقب مصر (أم الدنيا)، فمن نسل ولدها إسماعيل جاء العرب جميعًا، فكانت هاجر المصرية هي أم العرب جميعًا ومصر هي أم الدنيا.

ومنذ أكثر من ألفي عام تقريبًا، كانت الإمبراطورية الرومانية تعتمد على مصر كمصدر رئيسي لتوفير احتياجاتها من القمح، وكانت هي سلة غذاء العالم فأطلقوا عليها لقب (أم البلاد) باعتبارها المصدر الرئيسي لغذائهم. ومنذ أكثر من سبعة ألاف سنة تقريبًا، قال عنها سيدنا نوح عليه السلام أنها (أم البلاد)، فقد أورد أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم في كتابه ( فتوح مصر وأخبارها)، عن عبد الله ابن عباس أن سيدنا نوح دعي لحفيده مصرايم بن بيصر بن حام –سميت مصر باسمه- قائلًا: (اللهمّ إنه قد أجاب دعوتي، فبارك فيه وفى ذرّيّته وأسكنه الأرض المباركة، التي هي أمّ البلاد، وغوث العباد، التي نهرُها أفضل أنهار الدنيا، واجعل فيها أفضل البركات، وسخّر له ولولده الأرض، وذلّلها لهم، وقوّهم عليها)، ويقصد أرض مصر في دعاءه فكانت مصر هي (أم البلاد).
ومنذ عهد ما قبل كتب التاريخ كان على أرضها نبي الله ادريس عليه السلام، وهو أول من خط بالقلم وأول من لبس المخيط، وعلمّ الناس الزراعة وتخطيط المدن، ويقول المقريزي في كتابه (المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والأثار) المعروف بالخطط المقريزية: (أن إدريس مَلك مصر وكان أول من بنى بها بيوتًا للعبادة، وأنه أول من علّم الناس الطب).  إن تسمية مصر بــ (أم الدنيا) ليست بالشيء المُستحدث أو كلمة عابرة محض صدفة، فهو لقب أطلقه عليها كل من وطأ أرضها وعرف قدرها، وقد قال سيدنا يوسف –عليه السلام- عندما زار مصر (اللهم إني غريب فحبّبها إليّ وإلى كل غريب)، وفيها خزائن الأرض (اجعلني على خزائن الأرض)، فكانت ملجأ للبلاد من حولها في سنوات المجاعة، وكانت قبلة لأبيه سيدنا يعقوب عليه السلام وأبناءه الأسباط، وكانت ملجأ سيدنا إبراهيم عليه السلام هربًا من قحط ومجاعة أصابت أرض كنعان، وكانت ملجأ للسيدة العذراء مريم عليها السلام وولدها هربًا من هيردوس.  مصر أم الدنيا لأنها قبلة الأنبياء والصالحين، وملجأ من تقطّعت به السبل في بلادهم، ولأنها احتفظت بهويتها وثقافتها رغم كل الغزوات والهجرات التي حلّت على أرضها، ويقول الجغرافي الكبير جمال حمدان في كتابه (شخصية مصر): (وكانت مصر هي البوتقة التي ينصهر فيها كل شيء ولا يخرج منها إلا وقد صُبِغ بالصبغة المصرية المتفردة)
مصر أم الدنيا بشهادة الغريب قبل القريب، والعالم قبل الجاهل، والحاقد والحاسد قبل المحب والعاشق، فقد كانت هي الدنيا ومنارتها ومدينتها العامرة، عندما كان الجميع من حولها يتخبّطون في الجاهلية وحياة البداوة، وكما يقول عالم الأثار الأمريكي جيمس هنري برستيد في كتابه (فجر الضمير) بأن الحضارة المصرية القديمة هي أصل الحضارات الأوربية المتقدمة، وإن بداية تكوين ما يعرف بالضمير الإنساني، وقيم الحق والعدل والرحمة كان في مصر، وليس هناك أجمل من وصفه لها قائلا: (وجنة الخلد هذه الواقعة في الجزء السفلي من وادي النيل والتي نسميها الآن مصر). وإلى اللقاء مع هامش جديد من هوامش المحروسة.

مساحة إعلانية