مساحة إعلانية

منبر

المبدعون

خطاب معوض : التراث ليس ماضيًا.. بل هو حاضرنا المنسي "حوار شامل"

2026-11-06 03:45 PM  - 
خطاب معوض : التراث ليس ماضيًا.. بل هو حاضرنا المنسي "حوار شامل"
خطاب معوض خطاب

حوار مصطفي علي عمار
لم يدرس التاريخ في كبريات الجامعات، ولم يتخرج في كلية الآثار، لكنه امتلك ما هو أهم.. الشغف... من قرية الحسانيين بمركز منشأة القناطر، بدأت رحلة خطاب معوض خطاب مع القراءة كهواية، لتصبح فيما بعد مشروع عمره. عبر صفحته "شخصيات مصرية بين التهميش والنجومية" ومقالاته في صحف روزاليوسف والدستور، وتسعة كتب توثيقية، اختار أن ينحاز لمن لم ينالوا حظهم من الأضواء، وأن يجوب شوارع القاهرة الفاطمية والمملوكية ليروي ما لا يُروى.
في هذا الحوار، يفتح الباحث في التراث المصري خزائن ذاكرته، ويحدثنا عن رحلته من المعهد الفني الصناعي إلى شاشات التلفزيون، وعن النجوم الذين أنصفهم والمهمشين الذين أعادهم إلى الواجهة.

★ من قرية الحسانيين بمنشأة القناطر إلى عوالم التوثيق والتراث.. كيف بدأت علاقتك بالقراءة والكتابة؟ وهل تذكر أول كتاب شكّل وعيك؟

علاقتي بالقراءة بدأت منذ الصغر، وأنا في قرية الحسانيين بمنشأة القناطر، وكانت البداية من المدرسة وتحديدًا من المرحلة الابتدائية. أتذكر جيدًا انبهاري بكتاب "القراءة: عمر وأمل"، فقد كان بالنسبة لي شيئًا مختلفًا وممتعًا، وكنت أشعر وأنا أقرأه أنني أعيش مع شخصياته وحكاياته.

وكانت هناك أيضًا الكتب المصورة التي كنا نقرأها في حصة المكتبة في المرحلة الابتدائية، وكانت لها متعة خاصة جدًا بالنسبة لي؛ لأن الصورة كانت تجعل الحكاية أقرب إلى الخيال، وتفتح أمام الطفل أبوابًا لعوالم لم يكن يعرفها. وأعتقد أن هذه الأشياء البسيطة التي قد تبدو عادية جدًا الآن، كانت من أهم البدايات التي صنعت علاقتي بالكتاب والقراءة.

ومع مرور الوقت، لم تعد القراءة بالنسبة لي مجرد هواية أو وسيلة لقضاء الوقت، وإنما أصبحت وسيلة لاكتشاف العالم وفهم الإنسان والمكان والتاريخ. بدأت أحب الحكايات القديمة، وأتوقف عند الشخصيات التي لا تحظى بالاهتمام الكافي، وأهتم بالأماكن التي تحمل تاريخًا وحكايات ربما لا يعرفها كثيرون.

ومن هنا بدأت الكتابة تأخذ طريقها إلى حياتي. فالإنسان عندما يقرأ ويكتشف معلومات وحكايات يشعر أنها تستحق أن يعرفها الآخرون، يصبح لديه رغبة في نقلها إليهم. وهكذا تحولت القراءة عندي تدريجيًا من متعة شخصية إلى شغف بالبحث والكتابة والتوثيق.

وأنا أعتقد أن أهم ما يمكن أن يحدث للإنسان في طفولته هو أن يقع في حب الكتاب؛ لأن الكتاب الذي يصادقك وأنت صغير يمكن أن يظل معك طوال العمر، وربما يقودك بعد سنوات إلى طريق لم تكن تتخيل أنك ستسلكه. وهذا ما حدث معي بالفعل؛ بدأت بحب القراءة، ثم قادتني القراءة إلى الكتابة، وقادتني الكتابة في النهاية إلى عالم التراث والتوثيق.


★ حصولك على معهد فني صناعي ثم كلية التربية بنظام التعليم المفتوح، هو مسار بعيد أكاديميًا عن التاريخ والآثار، فكيف تحولت الهواية إلى احتراف في مجال توثيق التراث؟

صحيح أن دراستي الأكاديمية لم تكن في التاريخ أو الآثار، فقد حصلت على معهد فني صناعي، ثم التحقت بكلية التربية بالجامعة المفتوحة، لكنني أعتقد أن هناك فرقًا بين الدراسة الأكاديمية وبين المجال الذي يجد الإنسان نفسه شغوفًا به ويقرر أن يتعلمه ويبحث فيه باستمرار.

أنا لم أدخل عالم التراث من خلال شهادة جامعية، وإنما دخلته من باب القراءة والاهتمام والحب. ومع الوقت تحولت الهواية إلى شيء أكبر؛ بدأت أبحث عن المعلومة، وأقارن بين المصادر، وأتوقف أمام التفاصيل التي قد يتجاوزها البعض، ثم بدأت أكتب ما أصل إليه.

والكتابة نفسها كانت مدرسة بالنسبة لي. كلما كتبت عن شخصية أو مكان اكتشفت أن هناك تفاصيل أخرى تحتاج إلى البحث، وأن الحكاية التي تبدو بسيطة قد تكون وراءها قصة طويلة. وهنا بدأت أشعر أنني لا أريد مجرد الكتابة، وإنما أريد أن أوثق ما أكتبه قدر الإمكان.

وأنا دائمًا أقول إن الإنسان يستطيع أن يتعلم خارج حدود تخصصه الدراسي إذا كان لديه الشغف والإصرار. الدراسة الأكاديمية مهمة جدًا، لكن حب المجال والقراءة المستمرة والبحث والتجربة يمكن أن تفتح أمام الإنسان طريقًا آخر.

وبالنسبة لي، لم يكن التحول من الهواية إلى الاحتراف قرارًا اتخذته في يوم واحد، وإنما كان رحلة طويلة بدأت بالقراءة، ثم الكتابة، ثم البحث والتوثيق، إلى أن أصبح التراث جزءًا أساسيًا من مشروعي الذي أقدمه للناس.

★ انضممت إلى موقع فيسبوك عام 2014، ثم إلى صفحة "تراث مصري" كمحرر عام 2015.. هل تعتبر وسائل التواصل الاجتماعي هي من صنعت اسم خطاب معوض الباحث؟

أعتقد أن وسائل التواصل الاجتماعي ساعدت كثيرًا في انتشار اسمي، لكنها لم تصنع الباحث الذي بداخلي. أنا كنت أحب القراءة والبحث والكتابة قبل أن أدخل عالم فيسبوك، لكن ظهور وسائل التواصل أتاح لي مساحة واسعة أستطيع من خلالها أن أصل إلى الناس مباشرة، وأن أعرض عليهم ما أكتبه وأبحثه.

انضممت إلى فيسبوك سنة 2014، ثم في سنة 2015 انضممت إلى صفحة "تراث مصري" وكنت محررًا فيها، وكانت هذه خطوة مهمة جدًا بالنسبة لي؛ لأنها أعطتني فرصة أكبر للكتابة عن التراث والتعامل مع جمهور مهتم بهذا المجال.

ومع الوقت بدأت الكتابة تأخذ شكلًا أكثر انتظامًا، وأصبح لدي جمهور يتابع ما أقدمه، ثم اتسعت دائرة الانتشار من خلال الصحف والمواقع والبرامج التلفزيونية والإذاعية.

لكنني لا أقول إن فيسبوك صنع اسم خطاب معوض الباحث، وإنما أقول إنه كان وسيلة مهمة جدًا ساعدت هذا الاسم على الوصول إلى الناس. فالوسيلة يمكن أن تمنحك فرصة، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع محتوى أو تجربة أو مشروعًا.

وأنا أعتبر أن ما صنع تجربتي الحقيقية هو سنوات القراءة والبحث والكتابة، ثم الاستمرار. لأن أصعب شيء ليس أن تكتب موضوعًا يحقق انتشارًا، وإنما أن تظل قادرًا على تقديم موضوع جديد ومعلومة موثقة وحكاية تستحق أن تُروى.

★ أسست صفحة "شخصيات مصرية بين التهميش والنجومية" والتي أصبحت مرجعًا للكثيرين.. ما الفكرة وراء تأسيسها؟ ولماذا اخترت الانحياز للمهمشين تحديدًا؟


فكرة "شخصيات مصرية بين التهميش والنجومية" بدأت من إحساسي بأن هناك ظلمًا كبيرًا وقع على عدد من الفنانين المصريين، ليس بالضرورة ظلمًا مقصودًا، وإنما ظلم التهميش والنسيان. هناك فنانون قدموا أدوارًا مهمة، وتركوا بصمات واضحة في السينما والتلفزيون والمسرح، لكن مع مرور السنوات تراجع حضورهم من ذاكرة الجمهور، بينما ظل الاهتمام مركزًا في الغالب على نجوم الصف الأول.

وأنا بطبيعتي أحب أن أبحث عن الشخصيات التي تم تهميشها ولم تأخذ حقها، وأشعر أن وراء كل شخصية مهمشة حكاية تستحق أن تُروى. لذلك لم يكن الهدف من الصفحة مجرد جمع أسماء فنانين غير مشهورين، وإنما محاولة إعادة تقديم هؤلاء للناس، والتذكير بأن تاريخ الفن المصري لم يصنعه النجوم وحدهم، وإنما شارك في صناعته أيضًا أصحاب الأدوار الثانية والثالثة، وحتى أصحاب الأدوار الصغيرة التي ربما لا يتذكر الجمهور أسماءهم بسببها.

وأعتقد أن اختياري للمهمشين جاء أيضًا من إحساسي بأن النجم الكبير لديه دائمًا من يتحدث عنه؛ كتبت عنه الصحف، وأجريت معه اللقاءات، وأُعيد عرض أعماله، وتُكتب عنه الكتب والدراسات. أما الفنان الذي ظل في الظل، فقد يمر الزمن ولا يجد من يتوقف عند مشواره أو يحكي للناس من كان وماذا قدم.

لذلك كنت أحاول أن أحقق نوعًا من الإنصاف، لا أن أضع هؤلاء الفنانين في منافسة مع النجوم. أنا لا أقول إن الفنان المهمش أهم من النجم، وإنما أقول إن له حقًا في أن نتذكره، وأن نعرف دوره في تاريخ الفن المصري.

والأهم بالنسبة لي أن تكون هذه العودة إلى الشخصيات قائمة على البحث والتوثيق، وليس على المبالغة أو صناعة بطولات غير حقيقية. لأن إنصاف الفنان لا يكون بإضافة ما لم يفعله، وإنما بأن نضع ما فعله بالفعل أمام القارئ ونترك له الحكم.

ومن هنا تحولت الفكرة مع الوقت من مجرد صفحة إلى مشروع أخذ مساحة أكبر في تجربتي، وخرج منه لاحقًا ثلاثة أجزاء من كتاب "شخصيات مصرية بين التهميش والنجومية". بالنسبة لي، أجمل ما في المشروع أن شخصًا كان منسيًا أو غير معروف يصبح اسمه محل بحث واهتمام من جديد، وكأننا أعدناه مرة أخرى إلى ذاكرة الناس.


★ أصدرت تسعة كتب، من بينها ثلاثة أجزاء من "شخصيات مصرية بين التهميش والنجومية" و"القاهرة حكايات من زمن فات" و"شوارع القاهرة وحكاويها".. أي هذه الكتب أقرب إلى قلبك ولماذا؟

كل كتاب من كتبي له مكانة خاصة عندي، لأنه يمثل مرحلة معينة من رحلتي مع البحث والكتابة، ولذلك من الصعب أن أقول إن هناك كتابًا أفضله وألغي قيمة الكتب الأخرى. لكن بالتأكيد هناك كتب لها خصوصية أكبر، وعلى رأسها "شخصيات مصرية بين التهميش والنجومية".

هذا المشروع قريب جدًا إلى قلبي؛ لأنه بدأ بفكرة كنت مؤمنًا بها، وهي أن هناك عددًا كبيرًا من الفنانين الذين قدموا الكثير للفن المصري، لكنهم لم يحصلوا على حقهم من الشهرة والاهتمام، فحاولت أن أعيد تقديمهم للناس، وأن أبحث في مشوارهم وأعمالهم، بعيدًا عن المبالغة أو صناعة بطولات غير حقيقية.

لكن "القاهرة حكايات من زمن فات" و"شوارع القاهرة وحكاويها" لهما أيضًا مكانة خاصة عندي، لأنهما يأخذانني إلى عالم آخر أحبه جدًا، وهو عالم القاهرة وذاكرتها. أنا لا أتعامل مع القاهرة باعتبارها مجرد شوارع ومبانٍ وأسماء، وإنما أراها مدينة مليئة بالحكايات، وكل شارع فيها يمكن أن يقودك إلى قصة أو شخصية أو حدث.

وفي النهاية، ربما أستطيع أن أقول إن أقرب كتاب إلى قلبي هو الكتاب الذي أشعر بعد الانتهاء منه أنني أضفت شيئًا إلى ذاكرة الناس؛ سواء كنت أُعيد شخصية منسية إلى الضوء، أو أحكي لهم قصة شارع يمرون به كل يوم دون أن يعرفوا تاريخه. وهذا هو المعنى الحقيقي بالنسبة لي من الكتابة: أن أترك ورائي شيئًا يستحق أن يبقى.


★ كيف تختار الشخصيات التي تكتب عنها؟ وما معاييرك لاعتبار شخصية ما مظلومة وتستحق إعادة التقديم للقارئ؟


أنا لا أبحث عن الشخصية لمجرد أنها غير مشهورة، ولا أعتبر كل فنان لم يحصل على البطولة أو النجومية شخصية مظلومة. بالنسبة لي، هناك فرق بين الفنان المغمور والفنان الذي لم يحصل على حقه الحقيقي.

عندما أختار شخصية للكتابة عنها، أبدأ بالبحث في مشوارها وأعمالها، وأحاول أن أعرف ماذا قدمت بالفعل، وما حجم تأثيرها، وهل تركت بصمة تستحق أن نتوقف أمامها أم لا. وأحيانًا أجد أن فنانًا قدم أدوارًا كثيرة ومهمة، لكن اسمه تراجع مع الزمن، أو أن الجمهور يتذكر وجهه ولا يتذكر اسمه، وهنا أشعر أن هناك حكاية تستحق أن تُروى.

وأنا لا أحب إطلاق كلمة "مظلوم" بسهولة، لأن هذه الكلمة تحمل حكمًا كبيرًا. لذلك أحاول أن أترك الوثائق والأعمال والمعلومات هي التي تتحدث. إذا وجدت أن الفنان قدم أعمالًا مهمة، وكان له حضور مؤثر، ولم يحصل على ما يتناسب مع هذا العطاء من اهتمام أو تقدير، فهنا أرى أنه يستحق إعادة تقديمه للقارئ.

والأهم عندي أن تكون الكتابة إنصافًا وليست مجاملة. أنا لا أريد أن أرفع من قيمة شخصية على حساب الحقيقة، ولا أن أختلق لها إنجازات لم تحققها. دوري هو أن أبحث وأجمع المعلومات وأقدمها بصورة تجعل القارئ يرى الشخصية من جديد، وبعد ذلك يكون الحكم له.

وأحيانًا تكون أجمل نتيجة بالنسبة لي أن يقرأ شخص مقالًا عن فنان كنت أكتب عنه، ثم يقول: "أنا أتذكر وجهه، لكن هذه أول مرة أعرف اسمه أو أعرف هذه الحكاية عنه". هنا أشعر أنني حققت الهدف من الكتابة، لأنني أعدت اسمًا أو حكاية إلى ذاكرة الناس.


★ توثق جولاتك في شوارع القاهرة الفاطمية والمملوكية بالصوت والصورة.. ما أغرب حكاية سمعتها من حجر أو شارع قديم وظلت عالقة في ذهنك؟


 الحقيقة أن القاهرة القديمة بالنسبة لي مدينة لا تنتهي حكاياتها، وكلما نزلت إلى شوارعها أشعر أنني أكتشف شيئًا جديدًا. ومن الحكايات التي تظل عالقة في ذهني حكاية حارة الدرب الأصفر، التي لم تكن مجرد حارة قديمة، وإنما كانت في العصر الفاطمي مكانًا يتخذه الخلفاء الفاطميون منحرًا لذبائح عيد الأضحى، وكان الخليفة يأتي إليها في موكب مع كبار رجال دولته بعد صلاة العيد لمشاهدة نحر الأضاحي. وهذه بالنسبة لي واحدة من الحكايات التي تجعل المكان مختلفًا تمامًا عندما تعرف تاريخه.

ومن الحكايات التي أحبها أيضًا حكاية قبو قرمز، ذلك الممر الموجود أسفل مبنى مدرسة الأمير سابق الدين مثقال، والذي يربط منطقة بيت القاضي بشارع المعز. مجرد أن تعرف أنك تسير في ممر تحت مبنى أثري عمره قرون، وتعرف أن هذا المكان ارتبط أيضًا بأجواء القاهرة التي عرفها نجيب محفوظ، يجعلك تنظر إلى المكان بطريقة مختلفة تمامًا.

ومن أكثر المشاهد التي أراها مدهشة في القاهرة القديمة مئذنتا جامع المؤيد شيخ، لأنهما شُيدتا فوق برجي باب زويلة نفسه. يعني أنت أمام أثرين من عصرين مختلفين أصبحا معًا تكوينًا معماريًا واحدًا؛ باب زويلة الفاطمي، وفوق برجيه مئذنتا جامع المؤيد شيخ المملوكي. وهذه من الصور التي تختصر لك عبقرية القاهرة التاريخية في مشهد واحد.

وهذه هي المتعة الحقيقية بالنسبة لي في توثيق القاهرة: أن أمشي في شارع يراه الناس عاديًا، ثم أقول لهم: "انتظروا.. المكان هذا وراءه حكاية". لأنني لا أريد أن أقدم التراث باعتباره مباني قديمة فقط، وإنما أريد أن أعيد الحياة إلى المكان من خلال الحكايات التي عاشها.

وأعتقد أن أجمل ما في القاهرة القديمة أنها كلما ظننت أنك عرفت جزءًا منها، اكتشفت أن هناك طبقة أخرى من التاريخ والحكايات لم تصل إليها بعد. ولذلك ما زلت أراها كتابًا مفتوحًا، وكل جولة فيها فصل جديد.

★ انتشرت مقالاتك في صحف ومجلات عديدة منها روزاليوسف والدستور والحياة المصرية.. كيف ترى الفارق في التفاعل بين قارئ الصحافة الورقية وقارئ مواقع التواصل؟

هناك فرق واضح بين قارئ الصحافة الورقية وقارئ مواقع التواصل، ولكل منهما طبيعة مختلفة. قارئ الصحيفة كان يذهب إلى الجريدة أو المجلة وهو في الأصل يبحث عن القراءة، ولذلك كان لديه استعداد أكبر لأن يقرأ الموضوع بتأنٍ ويتوقف عند تفاصيله، خصوصًا إذا كان الموضوع طويلًا أو يحتاج إلى تركيز.

أما قارئ مواقع التواصل الاجتماعي، فأنت تتعامل معه في عالم سريع جدًا؛ عشرات الأخبار والمنشورات تمر أمامه في دقائق، ولذلك أصبح من الضروري أن تجذب انتباهه من البداية، لكن من دون أن يكون ذلك على حساب قيمة المحتوى أو دقة المعلومة.

وفي الحقيقة، وسائل التواصل أعطت الكاتب فرصة لم تكن متاحة بهذا الشكل من قبل. في الصحافة الورقية كنت تصل إلى جمهور الصحيفة، أما على مواقع التواصل فأصبح بإمكان موضوع واحد عن شخصية منسية أو شارع قديم أن يصل إلى آلاف وربما ملايين الأشخاص، وأن يفتح بابًا للنقاش والمشاركة.

لكن هناك جانب آخر لا بد أن ننتبه إليه، وهو أن سرعة الانتشار ليست دليلًا على صحة المعلومة. مواقع التواصل جعلت نشر المعلومة سهلًا جدًا، ولذلك أصبح التوثيق أهم من أي وقت مضى.

وأنا شخصيًا لا أحب أن أكتب لمجرد تحقيق المشاهدات أو التفاعل. عندما أكتب عن شخصية أو مكان أو واقعة تاريخية، يكون هدفي أن أقدم معلومة يستطيع القارئ أن يستفيد منها ويعود إليها، سواء قرأها في صحيفة أو على شاشة هاتفه.

وأعتقد أن الصحافة الورقية ومواقع التواصل ليسا خصمين، وإنما وسيلتان مختلفتان. الصحافة أعطتني مساحة للكتابة والوصول إلى القارئ، ومواقع التواصل وسعت دائرة هذا الوصول. وفي النهاية، الذي يبقى هو المحتوى الجيد والمعلومة الصحيحة والحكاية التي تستطيع أن تعيش مع القارئ بعد أن يغلق الصحيفة أو يمرر الشاشة.


★ ظهرت في عشرات البرامج التلفزيونية والإذاعية من قنوات المحور وTEN وفرانس 24 والقناة الأولى والثقافية إلى إذاعة صوت العرب والبرنامج العام.. ما اللقاء الذي تعتبره نقطة فارقة في مسيرتك؟


الحقيقة أنني أعتز بكل لقاء ظهرت فيه، لأن كل ظهور إعلامي كان فرصة جديدة لأتحدث عن التراث المصري والشخصيات والأماكن التي أهتم بها، وأنقل جزءًا من هذا العالم إلى جمهور مختلف.
لكن إذا أردت أن أتحدث عن لقاءات تركت أثرًا خاصًا في نفسي، فأنا أعتز جدًا بظهوري في إذاعة صوت العرب، خاصة أن الإذاعة لها مكانة كبيرة في وجدان المصريين والعرب، والحديث فيها يعتمد بدرجة كبيرة على الكلمة والحكاية والصوت، وهي أشياء قريبة جدًا من طبيعة ما أقدمه.

وأيضًا أعتز بالظهور في القنوات التلفزيونية المختلفة، لأن التلفزيون يتيح لك أن تصل إلى جمهور واسع، وأن تقدم المعلومة والحكاية بصورة مباشرة، خصوصًا عندما يكون الحديث عن شخصية أو مكان يحتاج إلى صور ووثائق.

لكنني لا أستطيع أن أقول إن لقاءً واحدًا هو الذي صنع نقطة التحول في مسيرتي. بالنسبة لي، المسيرة جاءت من تراكم أشياء كثيرة: الكتابة، والبحث، والكتب، والصحافة، ووسائل التواصل الاجتماعي، ثم الظهور في البرامج التلفزيونية والإذاعية.

وأنا دائمًا أتعامل مع اللقاء الإعلامي باعتباره مسؤولية، وليس مجرد ظهور. عندما أذهب إلى برنامج وأتحدث عن شخصية أو مكان تاريخي، فأنا أعرف أن هناك مشاهدًا أو مستمعًا قد يسمع هذه المعلومة مني للمرة الأولى، ولذلك يجب أن أكون حريصًا على أن أقدمها بصورة دقيقة ومحترمة.

وفي النهاية، أجمل شيء بالنسبة لي ليس أن أقول "ظهرت في البرنامج الفلاني"، وإنما أن أجد بعد اللقاء شخصًا يقول لي: "أنا أول مرة أعرف هذه الحكاية"، أو "جعلتني أحب هذا المكان وأبحث عن تاريخه". بالنسبة لي، هذا هو النجاح الحقيقي لأي ظهور إعلامي.

★ البعض يرى الكتابة عن التراث نوعًا من الحنين إلى الماضي.. فماذا ترى أنت؟ وهل نعرف نحن المصريين تاريخ قاهرتنا حقًا؟

أنا لا أرى الكتابة عن التراث مجرد حنين إلى الماضي، وإن كان الحنين جزءًا طبيعيًا من علاقتنا بما مضى. بالنسبة لي، التراث هو ذاكرة، والإنسان الذي لا يعرف ذاكرته يصعب عليه أن يفهم حاضره أو يعرف إلى أين يتجه في المستقبل.

أنا عندما أكتب عن شارع قديم أو شخصية مصرية أو مبنى أثري، لا أريد أن أقول للناس: "انظروا كيف كان الماضي جميلًا وانتهى". بالعكس، أريد أن أقول لهم: "اعرفوا ما الذي كان موجودًا هنا، ومن عاشوا في هذا المكان، وما الذي صنعوه وتركوه لنا".

أما عن سؤال: هل نحن المصريين نعرف تاريخ القاهرة حقًا؟ فأعتقد أننا نعرف جزءًا صغيرًا جدًا منه. كثير من المصريين يعيشون في القاهرة ويمرون كل يوم بجوار أماكن تاريخية عظيمة، لكنهم لا يعرفون حكايتها. وقد يكون الإنسان واقفًا أمام أثر عمره مئات السنين ولا يعرف لماذا بُني، ومن بناه، وما الأحداث التي شهدها.

وهذا تحديدًا ما يجعلني أحب النزول إلى الشارع والتوثيق بالصوت والصورة. أنا أريد أن أجعل التاريخ قريبًا من الناس، لا أن يظل حبيس الكتب المتخصصة. عندما أحكي للناس عن حارة أو مسجد أو باب أو شارع، أحاول أن أجعلهم ينظرون إليه بعد ذلك بعين مختلفة.

والتراث بالنسبة لي ليس شيئًا مات وانتهى، وإنما شيء ما زال يعيش بيننا. أسماء الشوارع، شكل البيوت، الحرف القديمة، الأمثال والحكايات، وحتى تفاصيل الحياة اليومية، كلها أجزاء من ذاكرتنا.

وأنا مؤمن أن حب التراث لا يعني أن نعيش في الماضي، وإنما أن نعرف الماضي جيدًا حتى نفهم قيمة ما نملكه اليوم. لأن البلد الذي يعرف تاريخه يكون أكثر قدرة على الحفاظ على هويته، وأكثر وعيًا بما يجب أن يورثه للأجيال القادمة.


★ اهتممت بتوثيق جوانب من تاريخ الفن المصري، ولا سيما الفنانون المهمشون.. من هو الفنان الذي ترى أنه ظُلم أكثر من غيره ويستحق أن يُعاد كتابة تاريخه من جديد؟

هناك أكثر من فنان أرى أنهم لم يحصلوا على حقهم، ولذلك من الصعب بالنسبة لي أن أضع اسمًا واحدًا وأقول إنه الأكثر ظلمًا على الإطلاق. لكن هذا السؤال تحديدًا هو جوهر المشروع الذي بدأته منذ سنوات؛ لأنني مؤمن بأن تاريخ الفن المصري لا ينبغي أن يُكتب فقط من خلال أسماء النجوم الكبار.

هناك فنانون قدموا أدوارًا لا تُنسى، وربما كان المشهد الذي ظهروا فيه جزءًا أساسيًا من نجاح العمل، ومع ذلك عندما تتحدث عن تاريخ السينما أو التلفزيون لا تجد أسماءهم حاضرة بالقدر الذي تستحقه.

وأنا دائمًا أتوقف أمام الفنان الذي استطاع أن يجعل الدور الصغير علامة في ذاكرة الجمهور. فهناك من لا يعرف الجمهور اسمه، لكنه بمجرد أن يرى وجهه أو يسمع صوته يتذكر عشرات الأعمال. وهذا في حد ذاته دليل على أن هذا الفنان ترك أثرًا حقيقيًا.

لذلك أرى أن هؤلاء الفنانين يحتاجون إلى إعادة قراءة مشوارهم بعيدًا عن فكرة "البطولة المطلقة". قيمة الفنان ليست فقط في عدد البطولات التي حصل عليها، وإنما في تأثيره وفي قدرته على ترك بصمة مهما كانت مساحة الدور.

ولهذا لا أحب أن أختار فنانًا واحدًا وأقول إنه "الأكثر ظلمًا"، لأن ذلك قد يكون ظلمًا لفنانين آخرين. ما أتمناه هو أن يُعاد النظر في تاريخ هؤلاء جميعًا، وأن نمنح كل فنان حقه وفق ما قدمه فعلًا، لا وفق حجم شهرته أو عدد مرات ظهور اسمه في وسائل الإعلام.

وهذا هو الدافع الأساسي وراء "شخصيات مصرية بين التهميش والنجومية": أن أقول إن وراء كل وجه نراه على الشاشة حكاية، وإن بعض هذه الحكايات تستحق أن تُروى من جديد.


★ في زمن المحتوى السريع والمنصات الرقمية.. كيف يمكننا جذب الشباب للاهتمام بتراثهم وتاريخ شوارعهم؟


بالنسبة لي، جذب الشباب إلى التراث لا يكون بأن نقول لهم: "اهتموا بالتاريخ"، ثم نقدم لهم معلومات في صورة جافة أو محاضرات طويلة. الشباب اليوم يتعامل مع الصورة والفيديو والحكاية السريعة، ولذلك يجب أن نصل إليه باللغة التي يفهمها، من دون أن نفرط في قيمة المعلومة أو دقتها.

وأنا أرى أن أفضل طريقة هي أن نجعل التراث قريبًا من حياته اليومية. عندما أقول لشاب إن الشارع الذي يمر فيه كل يوم له حكاية، أو إن المبنى الذي يراه أمامه شهد أحداثًا وشخصيات مهمة، فأنا هنا أحول التاريخ من شيء موجود في كتاب إلى شيء يراه بعينيه ويستطيع أن يلمسه.

ولهذا أحب توثيق الأماكن بالصوت والصورة، لأن الصورة أحيانًا تستطيع أن تفتح شهية الإنسان للبحث أكثر من صفحات كثيرة. ممكن أن يرى الشاب بابًا قديمًا أو مسجدًا أو بيتًا أثريًا، ثم يسمع حكايته، فيشعر أن المكان أصبح بالنسبة له مختلفًا، وأنه لم يعد مجرد مبنى قديم.

وأعتقد أيضًا أن وسائل التواصل الاجتماعي فرصة كبيرة جدًا إذا أحسنا استخدامها. يمكن تقديم الحكاية التاريخية في فيديو قصير ومشوق، أو صورة قديمة بجوار صورة المكان في الوقت الحالي، أو حكاية عن شخصية مرتبطة بشارع أو حي. المهم ألا نتعامل مع الشباب باعتبارهم لا يهتمون بالتاريخ، وإنما نسأل أنفسنا أولًا: هل قدمنا لهم التاريخ بالطريقة التي تجذبهم؟

والأهم عندي أن نبتعد عن فكرة أن التراث مجرد ماضٍ انتهى. التراث موجود حولنا في أسماء الشوارع، والبيوت، والحرف، والعادات، والأمثال، والحكايات التي ورثناها عن الأجداد. عندما يفهم الشاب أن جزءًا من هويته موجود في المكان الذي يعيش فيه، سيبدأ تلقائيًا في الاهتمام به والحفاظ عليه.

وأنا مؤمن أن دورنا ليس أن نجعل الشباب يعيشون في الماضي، وإنما أن نجعلهم يعرفون الماضي حتى يفهموا الحاضر ويقدروا ما يملكونه. فإذا نجحنا في تحويل التراث من "معلومة للحفظ" إلى "حكاية تستحق أن تُروى"، أعتقد أننا سنكسب جيلًا جديدًا يحب تاريخه بدلًا من أن يشعر أنه بعيد عنه.


★ ما المشروع أو الكتاب القادم الذي تعمل عليه حاليًا؟


أنا بطبيعتي أحب أن أعمل على أكثر من فكرة في الوقت نفسه، لأن البحث في التراث لا ينتهي، وكلما انتهيت من موضوع أجد أمامي موضوعًا آخر يفتح لي بابًا جديدًا للبحث والكتابة. لذلك أفضل ألا أتعامل مع الكتاب القادم باعتباره مجرد عنوان جديد، وإنما باعتباره مشروعًا يحتاج إلى بحث وتدقيق وتجميع للمعلومات قبل أن يخرج إلى القارئ.

وأنا حاليًا مهتم باستكمال مشروعي في توثيق الشخصيات المصرية والحكايات المرتبطة بتاريخ الفن والتراث، لأنني ما زلت أرى أن هناك الكثير من الشخصيات والأماكن التي لم تحصل على حقها من التوثيق، وهناك حكايات كثيرة ما زالت تحتاج إلى أن تُروى.

كما أن القاهرة القديمة تظل بالنسبة لي مصدرًا لا ينتهي للأفكار. كل شارع وكل حارة وكل مبنى يمكن أن يكون بداية لكتاب أو موضوع جديد، ولذلك لا أريد أن أتعجل الإعلان عن مشروع بعينه قبل أن تكتمل مادته وتصبح جاهزة بالشكل الذي أرضى عنه.

المهم بالنسبة لي في أي كتاب جديد هو أن أضيف شيئًا حقيقيًا للقارئ، وأن أقدم معلومات موثقة وحكايات تستحق القراءة، وليس مجرد إعادة تقديم ما سبق نشره. فأنا أعتبر كل كتاب مسؤولية، وأتمنى أن يكون ما أكتبه إضافة إلى ذاكرة الناس، سواء كان عن شخصية مصرية أو مكان قديم أو حكاية من حكايات القاهرة.


★ ما رسالتك إلى شاب من قرية نائية يحب القراءة والتاريخ ويحلم بأن يصبح كاتبًا ومؤرخًا شعبيًا؟


رسالتي له ببساطة: لا تجعل المكان الذي ولدت فيه أو ظروفك المادية أو دراستك عائقًا أمام حلمك. أنا أؤمن أن البداية الحقيقية لأي مشروع هي أن يكون لدى الإنسان شغف حقيقي بما يفعله، وأن يظل يتعلم ويقرأ ويبحث ولا يتوقف.

إذا كنت تحب القراءة، فاقرأ في كل شيء، ولا تحصر نفسك في كتاب واحد أو مجال واحد. وإذا أحببت التاريخ، فلا تكتفِ بالمعلومات الموجودة أمامك، وإنما حاول أن تبحث عن مصادرها، وأن تقارن بينها، وأن تعرف أين تنتهي الحقيقة وتبدأ الحكاية المتداولة. فالكاتب الحقيقي ليس من يجمع المعلومات فقط، وإنما من يعرف كيف يتحقق منها ويقدمها للناس بأمانة.

وأقول له أيضًا: ابدأ من المكان الذي تعرفه. لا تنتظر أن تذهب إلى القاهرة أو إلى المدن الكبرى لكي تجد موضوعًا تكتب عنه. قريتك نفسها قد تكون مليئة بالحكايات والشخصيات والأماكن والعادات التي تستحق التوثيق. اسأل كبار السن، وابحث في الكتب والوثائق، وسجل ما تسمعه، ثم تحقق منه قبل أن تكتبه.

ولا تنتظر أن يعرفك الناس من أول مقال أو أول كتاب. الاستمرار هو الأهم. قد تكتب اليوم موضوعًا يقرأه عدد قليل من الناس، لكن إذا واصلت القراءة والبحث والكتابة، وطورت نفسك، فقد يأتي اليوم الذي يصبح فيه ما تكتبه مصدرًا يستفيد منه الآخرون.

وأهم نصيحة أوجهها له: لا تستسهل المعلومة، ولا تكتب شيئًا لمجرد أنه منتشر. في مجال التاريخ والتراث تحديدًا، أمانة الكلمة مسؤولية كبيرة؛ لأنك عندما توثق حكاية أو شخصية فأنت تساهم في تشكيل ذاكرة الناس.

وأقول له في النهاية: احلم، واقرأ، وابحث، واكتب، وابدأ من مكانك مهما كان بسيطًا. فقد تكون الحكاية التي تراها أنت عادية جدًا هي الحكاية التي ينتظر شخص آخر أن يعرفها، وقد يكون الكتاب الذي تحلم بكتابته يومًا ما جزءًا من ذاكرة أجيال كاملة.

مساحة إعلانية